رحلة الشتاء والصيف.. حمولة التقاعد المبكر

زكريا أبو سرير

لم يكن يخطر على بالي منذُ أن أقبلت على الحياة العملية، وقبلت التحدي والعراك معها أن ترسي بي هذه الرحلة وأنا على ظهر هذه السفينة التي ساقني القدر مجبرًا أن أركبها دون التطلع إلى اختيار سفينة أخرى، وربما أفضل منها، ولكنه هو القدر الصعب الذي لم يترك لنا خيارًا آخرَ غير الصعود على ظهر هذه السفينة، ولكل بداية نهاية.

 أبحرتْ بي هذه السفينة في بلدان شتى وحملتني متاعب عدة، بل تموجات من المتاعب النفسية والجسدية، وإرهاصات من الوهن والتعب بجميع أشكاله، تلك الأمواج القوية التي تمثلت في مواجهة الصعوبات والتحديات والرهانات والآلام التي واجهتها في مسيرة حياتي العملية، من أشخاص كان الغدر متوقعًا منهم، وآخرون لا يتوقع منهم الإساءة ولو بحرف واحد، ولكن هو القدر، إذ أخذ بعضهم عهدًا على نفسه أن يطارد كل الناجحين بظلمه حتى آخر لحظة في ساعات عمل كل ناجح، لا لشيء إلا لسوء خُلقهم المتمثل في الحسد والكراهية والبغضاء التي ملأت قلوبهم بسبب توفيقات ونجاحات بعضهم، فضلًا عن محبة وهبها الله لهم في قلوب الآخرين.

وبالرغم من مواجهة هذا التسونامي البغيض وأنت تشق عباب طريقك نحو المستقبل لم يستطع الانحناء إليه أو تغيير معدن التربية الأصيلة التي تربت في البيئة النظيفة والنقية والصافية والصالحة، ولكن تبقى هذه التجارب والكوارث الحياتية التي تمر هي من تصنع الصلابة والتحمل والقوة في الذات وترفع منسوب الثقة بالنفس.

وإذا بهذه السفينة برغم إخلاصنا لها المتمثل في الالتزام والعطاء غير المحدود بكل ما في الكلمة من معنى، أي بكل ما تقرره من فعل أو قول طوال هذه الأعوام، حتى اللحظة الأخيرة التي جمعت فيها من متاعب ونجاحات وإخفاقات في فصول الصيف وفصول الشتاء ونحن نجدف بكل قوتنا حتى لا تغرق، وإذا بها تجبرنا على الوقوف في منتصف الطريق لتبلغنا بلغة مكفهرة وصادمة ليس لها رائحة ولا طعم وبدون سابق إنذار، وترسي قواعدها وبكل قوتها على شاطئ الأمل، والأمل بالله كبير.

عندما أُبْلِغْتُ عن طريق الإيميل المفاجئ بإحالتي على التقاعد المبكر في صباح يوم الخميس ٣ مارس ٢٠٢٢، قرأت ذلك الخطاب الأسود في اليوم الأسود من دون القدرة على إتمامه. في لحظتها كانت رحمة الله التي وسعت كل شيء حاضرة في قلبي ونفسي، هبطت على قلبي كالوحي الرحيم العطوف لم أستطع وصفها إلا بقوله الكريم: “وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ”.

 فقلت: الحمد لله رب العالمين، وأخذت أردِّدُ هذا القول، ورضيت بأمرك وقضائك وأنت أعلم بحالي مني، وأنا سلَّمتُ به، والحمد والشكر لك على كل حال يا رب العباد. هنا علمتُ أن أول من واساني في هذه المصيبة التي شكلت لي كالصاعقة هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه الوحيد الذي يعلم مدى إخلاصي في عملي وحاجتي وحاجة عائلتي له، وكم هو حبي وتقديري واحترامي لزملائي فردًا فردًا، حتى من أساء إليّ لم أفكر يومًا بإيذاء واحد منهم، بل كان نصحي لهم هو المقدم، ودعائي لهم هو الدائم؛ لذلك امتصيت هذه الصدمة بأسرع ما يمكن؛ لأن الدنيا بطولها وعرضها ماضية إلى الفناء، ولا يبقى الا وجهه الكريم.

ولا يفوتني أن أذكر في هذه اللحظات المؤلمة كيف رجعت بي الذاكرة لأول يوم خطت فيه رجلي إلى البنك، وحينها كنت أستشرف المستقبل، فتذكرت عند لحظة دخولي إلى مقر عملي في (البنك) وكان في الفرع الرئيسي ومقره مدينة الخبر “٣٠٢”، وهو المعد لمقابلة الموظفين الجدد، وكان مديره في ذلك الوقت الشخصية المخضرمة البنكية الأستاذ جعفر الأشهب (أبو العبد) كما يحلو لأهل الشام مناداته.

أولى اللقاءات اللامعة

 الزملاء الذين تركوا في حياتي الأثر الطيب والبصمة الجميلة الذين تحولوا فيما بعد إلى أصدقاء وإخوة أوفياء إلى يومنا هذا، سوف تبقى هذه الأخوة إلى آخر يوم في حياتي، ولن يمحوهم الزمان من ذاكرتي ما حييت، احتضنوني بكل ودٍّ وحبٍّ دون سابق معرفة بي إلا أن أخلاقهم المتميزة والأصيلة كانت هي المغناطيس لجذب قلوبهم إلى قلبي، فكانت البداية في اللقاء الأول حسب التسلسل المعرفي، مع الأخ العزيز والرائع مصطفى البراك (أم الحمام)، والأخ مدير الفرع جعفر الأشهب (أردني) والأخ العزيز والرائع توفيق العلوان (الأحساء)، والأخ العزيز الرائع محمد عياش (الجارودية)، والأخ العزيز الرائع المرحوم زكريا الشميمي رحمه الله (القديح). هؤلاء الأعزاء أول من صادفتهم وقابلتهم في بداية حياتي العملية، وكانت في الواقع وجوهًا مستبشرة، وكنت موفقًا بالفعل بالتعرف والعمل معهم ومحظوظًا بمعرفة هؤلاء المتميزين.

وبعدها توالت باقة التعارف والعلاقات، ولا يسع ذكر بقية الزملاء، ولكن منهم من بقي في الذاكرة وبقي متربعًا في القلب والروح؛ فهم إخوة وأعزاء، ومنهم من أتلفتهم الذاكرة لسوء معاملتهم وتقديراتهم السيئة وخبث أعمالهم التي كانوا يحيكونها مع شياطينهم من الإنس والجن في آناء اليل وأطراف النهار، لتدمير زملائهم، لا لشيء غير الحسد والكراهية التي تربوا وشابوا عليها، وهم يُعدون في بيئة العمل صُناع الكراهية والبغضاء والحسد والموهوبين في التفنن في تفكيك العلاقات الأخوية، وهؤلاء وبكل تأكيد في ذيل هذه الرحلة الطويلة والمباركة.

المكتسبات

رحلة التقاعد (وبكل تأكيد) تنتهي بمكتسبات كثيرة من الخبرات الحياتية والعلمية والعملية والاجتماعية، إذ تشكل بالنسبة لي صندوقًا ذهبيًّا من التجارب والخبرة الحياتية والعملية الواسعة؛ لذا تجد في عالم المال والتجارة الشركات والمؤسسات الربحية أو الخيرية تسعى جاهدة لاستقطاب مثل هذه الكفاءات، بل تعتبرهم أقطابًا علمية ومستشارين وتصف أصحابها بالكفاءات، وتعدهم بمثابة الحكماء في مجالاتهم العلمية والعملية.

وكثير منا من يحمل في ذاكرته قائمة أسماء من هذه الكفاءات المتقاعدة، وهي ما زالت تعمل مستشارين ومخططين ومنفذين في مواقع مختلفة، وهم يقدمون النجاحات تلو النجاحات في حياتهم العملية، بل تسعى بعض هذه المنشآت التشغيلية بتقديم مجموعة رزم من الإغراءات المادية والمعنوية وغيرها تحفيزًا لهذه النخبة لبقائها معها مدة أطول للاستفادة من خبراتها المتنوعة؛ إذ تشكل هذه النخبة المتقاعدة لأصحاب هذه الجهات المستنفعة صمام أمان لاستمرارية نجاحاتها وجني الأرباح العالية، فضلًا عن المكاسب الأخرى، بل تشعر بأن وجودهم معها أمام المنافس لها حماية ردع لمواجهة التحديات والصعوبات المستقبلية، وهذا بطبيعة الحال يجعل استمرارية نبض المنشأة يعمل بطريقة سليمة وبجسد قوي ومتماسك قادر على مواجهة كل التحديات والصعوبات سواء في الحاضر أو المستقبل.

خلاصة مرحلة التقاعد

 ما ينبغي في مرحلة التقاعد، والتقاعد المبكر بالخصوص من الذين تقاعدوا في سن مبكرة من أعمارهم وهم الفئة النخبوية الشبابية في المجتمع بأن يعيدوا تأهيل وتنظيم أنفسهم للمرحلة الجديدة بدءًا من تجدد روح الأمل في الحياة والمستقبل.

وتعتبر هذه النخبة الفئة الغنية بامتلاك هذه الخبرة الواسعة التي اكتسبتها في هذه الأعوام الطويلة، ذلك أن كثيرًا من الشباب اليافع ممن يمتلك الشهادات العليا مفتقرون لمثل هذه الخبرة الواسعة والذهبية.

 فلا ينبغي لهذه النخبة أن توقف نشاطها وعطاءها، ولا أن تدفن خبراتها، بل لابد من تشغيلها والاستفادة منها عن طريق البحث ثم البحث عن الجهة التي تناسب وتقدر هذه الخبرة لأجل الاستمرارية في تحقيق باقي الأحلام الشخصية والعائلية والمجتمعية.

و الخيار الآخر لها تقديم هذه الخبرة العملية والعلمية الواسعة والنافعة في المؤسسات الخيرية الاجتماعية، وهذا يعتبر من أسمى الأعمال الإنسانية والوطنية، إذ تصب منفعتها على أوسع قدر من مؤسسات المجتمع وأبنائه، فلا أحد من هذه النخبة الموقرة ممن يجد في نفسه القدرة يتردد على العطاء الاجتماعي، وعمل الخير هو أفضل عبادة نقدمه تقربًّا إلى الله، وقد بين ذلك ربنا عظمة فعل الخير عنده ولو كان بمقدار الذرة التي لا تراها العين المجردة حين قال في كتابه الحكيم: “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ”، فتحية لكل متقاعد خدم وطنه ومجتمعه حتى آخر رمق من حياته، فهو الجندي الثاني للوطن.

‫4 تعليقات

  1. تكلف الله سبحانه وتعالى بالاستجابة للمظلوم ، فلا تعجز ولا تشعر باليأس أيها المظلوم فقط عليك أن ترفع يدك وتناجي ربك، وسيصل الدعاء إلى السماء ويتولى الله أمرك

  2. الله يوفقكم. اتمنى اتقاعد مبكرا ، لكي اتفرغ للعمل الحر ويصبح لدي عملي الخاص بعيدا عن حسد الزملاء.
    ما فيه احسن من العمل الحر

  3. تمنياتي لك دوام الصحة والعافية والحمد لله على كل حال انا كلي ثقة بحكمة الله وقدره
    موفق لكل خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com