[3 ـ 3] علوان.. وهجرتي من الكامبنو إلى الأنفيلد إنه عالم مختلف تماماً!

10/3

محمد الماجد

“.. أهرع بنفسي إلى إبريق النبيذ فأملأ كأسي،

ثم صرت أتبرع بملء كؤوس الآخرين.

وكانت غالا ترقص حافية القدمين على بلاط أملس ..”   

موت صغير/مزرعة فريدريك

 لا أعرف ما إذا كانت ماهيّة التفاح في مقال الأمس ستعزز من دور مزرعة فريدريك في حياة ابن عربي، أقول هذا بسخرية متعمدة ولاذعة هذه المرة، وأزيد بأنني دخلت المزرعة فقط للتسلية وكنت سأغادرها دون تعليق لولا أنني صادفت غالا القشتالية فذكرتني بفاتنة أخرى تحمل نفس الاسم: غالا دالي، زوجة سلفادور دالي، صدفة الأسماء هذه جعلتني استعيد تلك المقارنة التي عقدها أدونيس بين الصوفية والسوريالية وخلص فيها إلى أنهما ليستا سوى شجرتين بجذع واحد، كان ذلك في تنظير طويل ضمّنه كتابه (الصوفية والسوريالية)، ولم يكن ينقص مقامرة أدونيس هذه سوى أن يُسَمِّ علوان غالا القشتالية معشوقةً لابن عربي ليوسّع من دائرة الروليت الأدونيسية، أنا أسمّيها أضحية مقدّسة استلّها علوان من بين قطعان السرد التي كان يرعاها على سفوح روايته، وسيكون أدونيس – إذا ما قُدِّر له قراءة هذا العمل- سعيداً لرؤيتها تُذبح عند رجليه.

أما أنا فسأعتبر كل ما ذكرته من قصة غالا مع ابن عربي ليس أكثر من صورة سوريالية لن أتجرأ على اعتمادها كدليل على تتبع علوان لآثار أدونيس إلا – وليسامحني الله – بالقدر الذي تورط فيه علوان في تشويه سيرة الشيخ الأكبر، وليت الأمر وقف عند تلك الصورة المتعلقة بعشقه لــ غالا، بل كان ألبوماً ضخماً من الصور الفاضحة قام علوان بعرضه في مزاد تشهيري عام، وقد رتّب الألبوم بشكل يحسده عليه أي حاقد على الشيخ الأكبر: يبدأ  صفحته الأولى بصورة حلبة الرقص في مزرعة فريدريك، ثم بصورة ابن عربي وهو يشي بابن رشد، وصورة أخرى له وهو يعرّض بشيخه أبي مدين الغوث، وأخرى وهو يوصي ابن زوجته بالتتلمذ على يد شيخ شاذ، وصولاً إلى المشهد الذروة حيث سنرى ابن عربي وأثناء تلقيه للمعارف الإلهية كيف كان يتبادل القبلات مع نظام، ابنة شيخه زاهر الأصفهاني، وسوف تختلط في ذلك الألبوم، لمن لا يملك عينين، مفاهيم (البعد الإنساني الحسّي) في شخصية ابن عربي بـــ (البعد الإيماني) العميق دون أدنى اعتراض أو شبهة تستنكر على علوان استمراره في مزاده التشهيري هذا، وكأن ابن عربي لم يكن انسانياً في (رسائله) ولا في (فتوحاته المكية) إلاّ إذا كان مستعداً لتعزيز فتوحاته بعلاقة ساخنة يقيمها مع نظام أو غالا أو سواهنَّ من مقترحات الإله إيروس، الأمر الذي شجع علوان على أن يطلق عيون ألبومه في بقية مناطق (موت صغير) ومُدنه المشغولة بعناية لينقلوا لنا صورا أخرى من خروقات ابن عربي (الإنسانية) والتي لا تقل سوريالية عما رصده هذا المقال ..!

أنا أصدّق الآن

أن كثيراً من دماء الحقيقة التاريخية سنلمحها تنبع من شقوق ضاحكة في جدران الروايات..

واحدٌ من تلك الشقوق الكثيرة سيكون عبارات ابن عربي التي وضعها علوان على رأس كل فصل من فصول كتابه المائة، فكل تلك العبارات تم افراغها من محتواها الروحي وصبها في قوالب حسّية لا شأن لها بالمعرفة والحكمة، ولا بمقاصد ابن عربي، وهذ ما سيشجعني على القول بأن الشيخ الأكبر في هذا العمل لم يكن سوى ماسحاً ضوئياً لأدراج التاريخ وتضاريس المدن ليس أكثر، وآلة المسح هذه لم يكن لديها من القدرة ما يعينها على الذهاب لما هو أبعد من طباعة السطوح المصقولة، لذلك لم أجد في (موت صغير) أي حديث عن (وحدة الوجود)، ولا (مراتب الفيض)، ولا (يائية ابن الفارض) التي كان ابن عربي على استعداد لمقايضتها بكل ما كتب، ولم أجد ابن الفارض نفسه، ولم يكن من المتوقع مع كل التجريف الذي قام به علوان لطمس كل تلك الآثار أن أجد ابن عربي، وما عوضني عن فقدان تلك الحقيقة هو فقط قدرتي على التأقلم، وما أتمتع به من موهبة القفز من مدرج الفريق الخاسر إلى مدرج الفريق الرابح بسرعة يحسدني عليها من يعرفني جيداً من الأصدقاء.

هذا ما فعلته مؤخرا بانتقالي إلى مدرج ليفربول هارباً من نادي برشلونة بعد الهبوط المروع لمستوى هذا الأخير وعلى كل المستويات، ولا يوجد مانع لدي من تعزيز هجرتي من الكامبنو إلى الأنفيلد بانتقال آخر من مدرج (المريد) لابن عربي إلى مدرج (المشاهد) وحسب، فتغيير زاوية النظر ليست بالأمر الشّاق، فلا يمكن لأحد مهما بلغ من الصبر أن يبقي حصانه مسرجاً على الدوام، قررت أن أبدّل المدرج وأنزل عن ظهر الحصان مسايرة لرواية لا أستطيع كف لسانها عن الكلام، حينها فقط تمكنت من مشاهدة هذا العمل الخلاق والاستثنائي في بنيته الروائية، تحية لـــــ (موت صغير)، ولـــ محمد حسن علوان، بحجم كل ذلك الجهاد الذي بذله في سبيل إحكام بناءه حتى أصبح على ما هو عليه الآن.

كلام الأحد

https://www.sobranews.com/sobra/175124

كلام الاثنين

https://www.sobranews.com/sobra/175135

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com