الخريف ونشوة الكأس الأخير

جميل الحبيب

ذكراك إن ليلُ السديم أضاءها
في الروح، خبأها نهار مظلمُ

الحب ما ادعت النجومُ.. وإنني
ما قلت إلا ما ادعتهُ الأنجمُ

يجري حديث النفس حولكِ دائماً
إن غبتِ، والمصغي هو المتكلمُ!

أرنو إلى وجه الحياة، فبئسما
تصف المرايا عندما تتحطمُ

أحتثُّ قافيتي الفصيحة عنوةً
والحرف مرتبك الخطى متلعثمُ

لغة التبصّر والتعقل في الهوى
عندي، هي اللغة التي لا تُـفهمُ

كأس تحرمها الظنون، وإنما
تغدو أحبّ إليّ حين تحرّمُ

أرتاد مشربها البعيد فينبري
لي في الغواية نادلٌ متبرمُ

أسقى وأساله المزيد ولم يعد
في جيب من سأل الزيادة درهمُ

“أسرفتَ شرباً، لا أمامك بارقٌ
غير السراب، ولا وراءك مغنمُ”

أخبرته أني سأخرج، لاعناً
خمارة الدنيا، وأنت ستندمُ

هي قصة.. ولقد أكون رويتها
من قبلُ، لكنّ النهاية تصدمُ

قَدُمَتْ حكاياتي فرحتُ أعيدها
حتى تَجدّدَ عمرها المتقدمُ

وأظن أنكِ قد مللتِ، فلم تعد
ابداً، أقاصيصي تسرّ وتؤلمُ

وإذا بعثتُ قصائداً لك حلوةً..
فالليل يهدأ والسكوت يخيـّمُ

لا تضحكين كما عهدتك سابقاً
فالشمس مطفأة وأفقكِ معتمُ

أو تطربين إذا ترنـّم طائرٌ
والطير كفّ.. فلم يعد يترنـّمُ..

هذا المتيمُ قد تمزّق غيرةً
ويظنّ أنّ بك الجميع متيّمُ

هو مثل كل العاشقين، إذا اعتلى
جبلُ الرتابة، حطموا.. وتحطموا

ولقد يعاف الجيدُ صحبة عقدهِ
ويضيق ذرعاً بالأساور معصمُ

تدرين كيف قضى الربيع، ورحّبت
بي في عداد الخالدين جهنمُ

“لافرق”.. أحرى ان تكون إجابةً
عن سائلٍ: أنت المسافر أم همُو؟!

تجري حروب الفكر حولك.. حيث لا
أنباءُ تــُـعرفُ، أو حروبٌ تــُـحسمُ

هل ذلك السرّ المغامر بيننا
يوماً، ستفضحه العيونُ، أم الفمُ؟

في الصدر قول لا يذاع، ورجفةٌ
ظمأى، وجرحٌ لا يسال له دمُ

قد يضمر الضوء البليغ لسانهُ
مابات يكشفه الظلام الأعجمُ

حاولت تقويم (الضلوع)، وإنما
تتهشّمُ الأضلاع حين تــُقوّمُ

البعد مزهوٌّ بـ (شارةِ نصرهِ)
والحزن فوق شفاهنا يتبسمُ

لا عيب، إلا أنّ صوتكِ خافتٌ
وشذاك ممنوعٌ، وبوحكِ أبكمُ

سيف من البلور يومض تحفةً
ما كلّ سيفٍ للقتال يُـصـمّـمُ
**

الحب لص كان يقرع بابنا
ويغيب في الأعماق وهو ملثمُ

متحكماً بإرادتي وجوارحي
قهراً، وأحسب أنني المتحكمُ

قد راح يشرحنا، وليس بواردٍ
أن يشرح الإبهام أمرٌ مبهمُ!

لا مرغماً تصغي لزخرف قولهِ
وتحيله نهجاً كأنك مرغمُ

يلقي عليك رسالة من وحيهِ
عجلى، تبلغها لمن لا يعلمُ

ويود لو أهديت عمرك وقفةً
عاري اليدين، أمام من لايرحمُ

لن يفضح البنيانُ ضعفَ بنائهِ
إن قام، إلا عندما يتهدمُ

الوعي أكثر ما يكون تجلياً
في النفس، حين يـُظنّ أنك تحلمُ

ولأنتَ أقرب للحقيقة كلما
جرت الشكوك بأنك المتوهمُ

غيبوبةٌ، بل إنما هي لحظةٌ
ويفيق عالمك الخفيّ الأعظمُ

وتذوق لذته فتغمض أعيناً
متأوهاً، وكأنما هو مؤلمُ

وبرغم نشوتك المبارك نبعها
لتظن في الأعماق أنك تأثمُ

وتكاد تشتمها لسورة عصفها..
ومن اللذائذ ما يُسبّ ويشتمُ

متجهماً فرط السرور، وربما
وصف السعادة وجهك المتجهمُ

وكأن واردها المـُـقطـّبَ زاهدٌ..
لا أنه، هو في الحقيقة مغرمُ

لم يُدرَ إن أطبقتَ جفنك أنّ ما
تجنيه، شهدٌ سائغٌ أم علقمُ

هو أنت وحدك، والنعيم مهيأ
لك أنت، لا هو في العباد مقسّمُ

والأرض تصغر، فهي عندك بؤرةٌ
تحوي الخراب، وعند غيرك منجمُ

تتكشف الأشياء عن مكنونها
سعياً إليك فكلّ شيءٍ ملهمُ

**
كن ريشةً تدعو إلى ألوانها
دارَ الحياة، فإنما هي مرسمُ

هذا خريفك، والزمان مواسمٌ
تمضي، وآخرهنّ هذا الموسمُ

فإذا هرِمتَ على الحروف، فربما
غادرت خلفك وارثاً لا يهرمُ

إني لأزعمُ.. والذين ترحّـلوا
شهداءُ في الدنيا على ما أزعمُ..

لا مرتدي الكتّانِ عند مماتهِ
هو ميتٌ، بل إنما هو محرمُ

الشيء يُولد، ثم يصبح خالداً
لا شيء يبدأ في الحياة ويختمُ!

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com