“صُبرة”.. سجلّ تفصيلي لوقائع حريق صفوى الجريمة التي هزت المجتمع

القطيف: شذى المرزوق

في شهر رمضان الماضي؛ عاشت محافظة القطيف مرحلة من المراحل الصعبة مجتمعياً، مزجت بين الصدمة والترقب، منذ تداولت وسائل الإعلام الخبر المؤلم؛ للجريمة المروعة التي راح ضحيتها 4 من عائلة الملا في مدينة صفوى الوادعة، وسط صدمة هزت وجدان المجتمع السعودي كافة، وتركت الكثير من علامات الاستفهام حول دوافع الجريمة.

فيما تابع المواطنون مستجدات القضية التي كان سببها تأثير مادة الشبو على ابن العائلة الذي لم يكن مدركاً لتصرفاته وسط غياب كامل للوعي، ليشعل النار في منزله ويقضي بذلك على والديه وأخيه وأخته، بقيت القطيف تترقب اليوم الذي تحتضن فيه الأرض رفات أبنائها الأربعة.

 وسط كل هذه الأجواء المشحونة بالألم، شيعت القطيف جثامين الشهداء عصر يوم الثلاثاء الماضي، لتنهي فصلاً من فصول الحكاية المؤلمة التي رصدتها صحيفة “صُبرة” وتابعت مستجداتها، وتأثيرها المجتمعي.

حادث وسيناريوهات

بدايةً من يوم الحادث المشؤوم بعد انتشار خبر الحريق، والنتيجة المروعة التي أسفر عنها، واكبت “صُبرة” الحدث لحظة بلحظة، فتحت عنوان: صفوى تفطر على كارثة… 4 وفيات في حريق “مشبوه جنائيًا” ذكرت أن الأجهزة الأمنية باشرت موقع الحادث، وطوقت منزل المواطن زهير علي سلمان الملا، الذي قضى وزوجته واثنان من أبنائهما في الحريق الغامض الذي شب في أحد المنازل بحي العروبة ـ غرب صفوى ـ ولم ينج منه إلا شاب واحد أصيب إصابات غير خطرة ­­نقل إثره للمستشفى.. وسط تضارب المعلومات.

[متابعة] صفوى تُفطر على كارثة.. 4 وفيات في حريق “مشبوه” جنائياً

وما هي إلا ساعات قليلة، حتى تبيّن أمر “كارثة صفوى”، لتؤكد “صُبرة” وفاة نصف عائلة.. وتولي الشرطة ملف القضية، وتكشف الصحيفة على موقعها معلومات جديدة حول سيناريو الحريق البشع، إذ رجحت المعلومات “حدوث واقعة متعمدة تسببت في الحريق الذي استخدمت فيه مادة مشتعلة داخل المنزل، حيث حاصرت النيران الضحايا الأربعة، في إحدى الغرف حتى تفحمت جثثهم جميعاً” وذهبت معلومات “صبرة” إلى سيناريوهين، أولهما أن المتسبب في الحريق حاصر الضحايا في الغرفة، في حين يشير الثاني إلى أن الضحايا احتموا بالغرفة بعد فورة غضب من المتسبب، لتشتعل النار دون أن يتمكنوا بالنجاة.. وكلا السيناريوهين يرجحان الفعل الجنائي.

[كارثة صفوى] وفاة نصف عائلة.. والشرطة تتسلّم ملف القضية

أثر اجتماعي

ومع تزايد الغموض، وما تركه الحادث من أثر اجتماعي في نفوس الجميع، تزامن مع ذكرى وفاة الإمام علي – عليه السلام – ساهم في إذكاء حالة من الحزن، جسدت “صُبرة” ذلك الأثر في عنوانها المنشور: “القطيف تبكي بدمعتين.. واحدة لعلي والأخرى لصفوى” لتشير إلى مشاعر الفجيعة التي عمت الجميع، حيث امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالحدث السنوي المعتاد وأيضاً بالحدث الطارئ الصادم، وهو ما امتد إلى بعض منابر الجمعة، واستنكر الخطباء الواقعة وسببها وطريقتها، فيما بدا شارع الشريف الذي يقع فيه المنزل المنكوب تحت وطأة الصدمة، وبدا مهجورا ومطوقاً بشريط أمني، بانتظار استجلاء التحقيق.

القطيف تبكي بدمعتين.. واحدة لعلي.. والأخرى لصفوى

تصريح ومتابعة عربية

وفي اليوم التالي، تابعت “صُبرة” ما صدر عن شرطة المنطقة الشرقية وتصريحها الرسمي بأن “جريمة صفوى تمت بالبنزين .. تحت تأثير المخدرات” وما تأكد من القبض على المتورط وإحالته للنيابة العامة، بعد ثبوت الفعل الجنائي.

 ورصدت “صُبرة” أيضاً متابعة الصحافة الخليجية والعربية للكارثة.. اعتمد بعضها على أورته الصحيفة من معلومات عن الحادث، فيما اتسعت دائرة التضامن مع عائلة الملا المنكوبة ومدينة صفوى من كل مناطق المملكة، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتغريدات التعازي والمواساة التي نشرها إعلاميون ومثقفون ومغردون بارزون.

شرطة الشرقية: جريمة صفوى تمت بالبنزين.. تحت تأثير المخدرات

المنشط النازي

وتوصلت متابعات “صُبرة” عبر تقريرها عن حقيقة “الشبو” الذي قتل عائلة صفوى، وفيما ذكرت الصحيفة أن الجهات الأمنية ضبطت أكثر من نصف طن من هذا المخدر منذ بداية العام الجاري 2020، وذهبت لاعتبار هذا المخدر “بطل جرائم القتل” اعتمادا على حوادث سابقة في مصر، ولأنه مخدر كيميائي من أصل غير نباتي فقد عرف بـ”المنشط النازي”، لأن خطورته تفوق جميع المواد المخدرة الأخرى كونه مخرباً لجميع أجهزة الإنسان الحيوية. مشيرة أيضاً إلى انتشار تحضيره في دول شرق آسيا خاصة تايلاند والفليبين وبعض الدول العربية الأخرى.

وأوضحت أيضاً أنه خلال العام 2022، نشرت وكالة الأنباء السعودية 10 بيانات أمنية، بخصوص الإيقاع بمتورطي مخدرات وبقرابة 550 كجم في الدمام وجدة والرياض والخبر.

ما حقيقة “الشبو” الذي قتل عائلة صفوى…؟

متابعة ورعاية

وعدا التضامن الشعبي الهائل، لم يخل الأمر من متابعة رسمية وعلى أرفع المستويات بالمنطقة الشرقية، إذ وجه أمير الشرقية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف، ونائبه، صاحب السمو الملكي الأمير أحمد بن فهد بن سلمان، بتقديم كافة سبل الرعاية لأسرة الملا، جاء ذلك عبر تغريدة لإمارة المنطقة على مواقع التواصل، في لمسة مواساة للأسرة المنكوبة التي فقدت أربعة من أفرادها في الحادث.

أمير الشرقية ونائبه يوجّهان ببذل سبل الرعاية لأسرة الملا

موقف الجاني

واستمراراً لمتابعة “صبرة” لتداعيات الحادث، قامت بتسليط الضوء على موقف الجاني، ونقلت عن قناة “الإخبارية” أن قاتل أهله أفاق من “الشبو” فصُدم بما صنعت يداه.. وأنه سأل المحققين بعد إفاقته عن أهله، ولما سمع أسوأ إجابة “ماتوا جميعاً” نزل الجواب عليه كالصاعقة.

قناة الإخبارية: قاتل أهله أفاق من “الشَّبو” فصُدِم بما صنعت يداه

أصداء التواصل

ونقلت “صُبرة” الأصداء في وسائل التواصل، وكيف اشتعلت حربا على المخدرات، وتحت عنوان “جريمة في صفوى ومجرمون في جدة.. حاربوا تجارة الشبو في القطيف” نقلت الصحيفة بعض ما أثارته الأصوات المجتمعية التي علت مطالبة بالتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة، بالتزامن مع إعلان المديرية العامة لمكافحة المخدرات السبت الماضي، القبض على 9 مقيمين (4 يمنيين و5 باكستانيين) في جدة، وبحوزتهم 5.6كجم من مادة “الشبو” و4.25 كجم من نبات القات، أحيلوا جميعا للنيابة العامة لاتخاذ الإجراءات النظامية.

جريمة في صفوى ومجرمون في جدة.. حاربوا تجارة “الشّبو” في القطيف

رصد وانطباعات

في ذات التوقيت، رصدت “صُبرة” انطباعات المعلمات وزميلات “عقيلة” أصغر ضحايا الفاجعة، وكتبت تحت عنوان “عقيلة الملا.. الوردة التي تلبست بهدوء النسمة” بعضاً من شهادات من عرفوها وزاملوها وكلها تنبض بالوجع لفقد شخصية مؤثرة ومسالمة لا تعادي أحداً، وكلها أيضاً آهات حسرة تبرز ما تركه رحيلها في نفس جميع من اقتربوا منها.

عقيلة الملا.. الوردة التي تلبّست بهدوء النسمة

مصير الجاني

بذات السياق، تواصلت متابعات “صُبرة” من الناحية القانونية والشرعية وعقوبة الجاني المرتقبة، إذ أكد المستشار القانوني عادل البراهيم، إن “قاتل صفوى حكمه القتل تعزيراً.. لاحرابة ولاغيلة” ونقلت الصحيفة عنه قوله: “لأي جريمة 3 أركان، ركن مادي وهو القيام بالفعل، وركن معنوي وهو القصد من ارتكاب الجريمة، وركن شرعي وهو التشريع القانوني للجرم” وأوضح أيضاً أن “القانون ينظر إلى متعاطي المخدرات على أنه يدرك مسبقاً أنه تذهب عقله، وبالتالي يحمله مسؤولية أفعاله لاحقاً، وعليه فإنه يقتل تعزيراً وليس حد حرابة ولا حد غيلة”.

المستشار عادل البراهيم: قاتل صفوى حكمه القتل “تعزيراً”.. لا “حرابة”.. ولا غيلة

مشاهد من مجتمع قوي

وعادت “صُبرة” مرة أخرى، لترصد مشاهد من المجتمع الحي والقوي والمتماسك، خاصة في هذه الأيام المباركة على وقع الجريمة النكراء، وذكرت أنه بينما القطيف تحيي ليلة القدر المختلفة عن ليالي القدر فيما مضى من سنوات، فإن “صفوى في قلب الدعاء”.

واستعرضت الصحيفة ما شهدته محافظة القطيف من قضايا وحوادث اجتماعية مؤثرة هزت الوجدان القطيفي بشكل خاص، حيث اتجهت القلوب والأكف بالعفو والمغفرة إحياء لما يرجى أنه ليلة القدر المباركة، حيث جاء دعاء مساجد المحافظة لما يمكن وصفه بـ”الدعاء الواحد” وترديد عبارة “الغوث.. الغوث.. خلصنا من النار يا رب” مصحوباً ببكاء حار، يستعيد ذكرى النار التي أحرقت قلوب الأهالي قبل أن تطال أجساد الضحايا من أبناء عائلة الملا، وشمل الدعاء غريق سنابس، علي اليعقوب، والشاب حسن السبع، والمفقود محمد آل حبيل وغيرهم.

في ليلة القدر.. صفوى في قلب الدعاء

حوار وشجن

ولم تكتف “صبرة” بذلك، بل اقتحمت نار الفقد، واستطلعت مشاعر مؤيد الملا، الذي سرد سيرة شهداء الصيام، وفي حوار امتلأ بالشجن تعرفت الصحيفة من المهندس الشاب على مسيرة والده ووالدته، وكذا حبيبته “عقيلة” وأخيه محمد، الذين قضوا في الحادث الأليم.

في الحوار، بدا مؤيد متماسكاً ومؤمناً وهو يتحدث عن أسرته مستذكرا الكثير من المواقف الإنسانية التي جمعته بهم، وهو يسهب بالتفصيل في تذكر أشياء عديدة لا شك أنها ستلقي بظلالها عليه مستقبلاً، وتلقي بظلال من غيوم الحنين لأيام جمعتهم سوياً كأسرة متماسكة ومؤمنة.

مؤيد الملا يسرد سيرة شهداء الصيام

قبر جماعي

ولأن البدايات كانت مؤلمة، جاءت النهايات أكثر إيلاماً، بإعلان العائلة رسمياً إنهاء إجراءات “شهداء الصيام”.. والدفن عصر الثلاثاء، لذا كانت متابعة “صُبرة” بالكلمة والصورة للمرحلة الأخيرة من إسدال الستار على حياة الضحايا، ورصدت الصحيفة مشاركة بعض المتطوعين في إعداد وتجهيز قبر جماعي يحتضن رفات الضحايا الأربعة في مقبرة صفوى، وبدت صور القبر الجماعي وهو يجمع الأب والأم والأخت والأخ، وكأنهم لم يفترقوا حتى في مماتهم.. كما لم يفترقوا في حياتهم!.

رسمياً.. إنهاء إجراءات “شهداء الصيام”.. والدفن عصر الثلاثاء

التشييع وسط الطوفان 

التضامن المجتمعي الذي شهدته مدينة صفوى أثناء تشييع الضحايا الأربعة؛ رصدته عدسة “صبرة” التي عكست  الحشود الهائلة القادمة للمشاركة في التشييع على شكل طوفان بشري، أحاط بالمقبرة وملأ الشوارع في يوم لن ينساه أحد من القطيف والمنطقة الشرقية. 

تحت شمس صفوى الحارّة.. طوفان بشري يحمل 4 أحزان

مواساة مشكورة 

الوقفة الوطنية التي أحاطت الأسرة في مصابها، ومؤازرة  المجتمع للعائلة المنكوبة كان موضع تقدير كبير من عائلة الملا التي ثمنت هذا الدعم والمساندة ووجهت رسائل شكر عبر “صبرة” للمسؤولين والمواطنين وذلك بعد زيارة محافظ القطيف إبراهيم آل خريف لتقديم واجب التعزية ونقل تعازي أمير المنطقة ونائبه. 

المحافظ ينقل تعازي أمير المنطقة ونائبه.. وأسرة الملا تثمّن الوقفة الوطنية

تجلد وصبر 

بين ألم المصاب، والقيام بالواجب واستقبال المعزين كانت بتول الابنة الوحيدة الباقية من العائلة، حيث تصدت للقيام بذات مهمة أخويها مؤيد ومهدي، وذلك بالوقوف في صدر المجلس النسائي القائم لاستقبال وشكر القادمات لدعم ومواساة عائلتهم، فيما تصدى أخويها لاستقبال المعزين من الرجال، في صورة جسدت مدى التماسك والتكاتف العائلي ودعم بعضهم بعضاً، هذه الصورة نقلتها صبرة من خلال تقرير حمل عنوان: “بتول الملا.. القلب الصابر بين جدتين ثاكلتين”. 

بتول الملا.. القلب الصابر بين جدّتين ثاكلتين

 

الشكر على التعزية 

بعد انقضاء فترة التعزية؛ قدمت عالتي الملا وآل درويش خالص الشكر والعرفان إلى كل من بذل جهداً أو قدم دعماً ومواساة، أو تعاطفاً مع العالتين في مصابها الجلل 

[صفوى] عائلة الملا وعائلة آل درويش تشكران المعزين

تنبؤ محمد الملا

في 26 نوفمبر 2021؛ كتب مغرداً “طُرق الباب كثيراً، كان من في الداخل يشعر بأن من وراء الباب لا يُؤتمن، أو ليس في وعيه ربما كالعادة، لكن أبيت إلا أن تحدث أمرأ بالقوة! ففتحت الباب ووضعت من في الداخل في مأزق لطالما أخبروك أن تتحاشاه“.

وفي مغرب يوم الخميس 21 أبريل 2022؛ كان كاتب التغريدة نفسه وأبوه وأمه وأخته في مأزق كما وصفت التغريدة تماماً. كان داخل غرفة، وفيها حريق، وخلف الباب “من لا يؤتمن”، وهو الذي أشعل الحريق، وأقفل الباب، وبقي جيران الحي يطرقون باب المنزل ويُحاولون إخراج من في الغرفة، ولكنّ حدث ما حدث، ورحل كاتب التغريدة ومن معه في الغرفة “رحيلاً أسطورياً”، في حريق فاجع..!

إنه محمد زهير الملّا، الذي كتب قبل أكثر من عام أيضاً “كلمة وداعاً لا تكفي، أريد رحيلاً أسطوریاً، أود إشعال حريق في خندق أرمي وسطه أشعاري وكلماتي، أوراق دفاتري، ولربما أُسقط نفسي فيه..!“.

صدمة ما بعد الصدمة.. شاعرية محمد المُلّا وصفت طريقة وفاته قبل سنة

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×