الآنيّون…!

حبيب محمود

بعد 1269 سنة على مقتل بشار بن برد (96 ـ 168هـ)؛ ليس في دائرة انتباهنا إلى المشكل الآني الذي عاناه الشاعر الكبير في زمنه. المشكل الآني؛ هو مواجهته إرهاباً استخباريّاً وضعه في قائمة المنحرفين فكريّاً، إلى حدّ إنزال عقوبة الجلد به حتى الموت، في مرحلة زمنية نصفُها ـ اليوم ـ بأنها بداية ازدهار الحضارة الخاصة بنا..!

نحن نقرأ عبقرية بشارٍ، الشاعر الضرير، نجرّدُه من آنيّته الزمنية، بكل تشابكها السياسي والفكري والأمني، ليغيب الإنسانُ بشارٌ، ويبقى الفنان. على أن المعضل الآني، ذاته، هو أهمّ معضلات حياة الشاعر كلها، وهو سبب نهاية حياته منهوك الحقّ حتى في الدفاع عن نفسه، ناهيك عن أفكاره..!

لم يُخلق إنسانٌ ليس لديه معضلٌ آنيٌّ يعقّد مشروعه. معضلٌ عالي الخطورة في الغالب. معضلٌ قد يستهدف لقمة معيشته، أو صحته، أو سلامته الشخصية، أو استقراره النفسي أو الأسري أو الاجتماعي. إلا أن المبدع، بالذات، يبقى في صراعٍ متعدّد الجبهات، بين ما هو آنيٌّ، وما هو مستقبليّ، بين ما هو راهنٌ وقائمٌ في تفاصيل اليوم، وبين ما عليه أن يستمرّ إلى ما بعد انطفاء كلّ المعضلات الآنية..!

وبوصفه مبدعاً أصيلاً؛ نجح بشّارٌ في إنجاز مشروع استمراره، وهو في فورة صراعه الفكريّ. ولذلك؛ نحن لا نعرف بشاراً الزنديق، كما نعرف بشاراً الشاعر..!

لكلّ ذي مشروعٍ معضلاته الآنية. وعليه أن يُثبت ـ للزمن ـ أن كلّ تفاصيل الضغط المستمرة ليست سبباً في فشل مشروعه.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com