نصر الله يسرد قصة هروبه من العراق سنة 1979..! أمير الحلو همس في أذنه: هل أنت "امْخَبَّلْ" لتوجّه هذه الأسئلة لصدام حسين..؟

العشاء الأخير في "خان مرجان".. والعشاء التالي في دمشق

صُبرة: خاص

“فيما كنتُ على مائدة العشاء التي أقامتها لنا وزارة الإعلام؛ اقترب مني مدير مكتب الوزير وقتها أمير الحلو، وهو صحافي عراقي معروف من النجف. انحنى عليّ بخفة؛ وهمس: هل أنت “امْخَبَّلْ” لتوجه هذه الأسئلة لصدام حسين..؟

ثم أشار عليّ بمغادرة بغداد فوراً.. وهذا ما حدث. بعد العشاء مباشرة، عدتُ إلى الفندق، وأخبرت زملائي بضرورة السفر سريعاً إلى دمشق. وقبل مغرب اليوم التالي؛ صرنا في الشام”.

إنها بغداد في أكتوبر 1979، وقصة العشاء الأخير كانت جزءاً ثانياً من قصة أوسع عاشها محمد رضا نصر الله الذي سرد القصة بنفسه لـ “صُبرة”.

المخرج الراحل سعد الفريع

الكلمة تدق ساعة

في تلك السنة؛ سافر نصر الله إلى العراق، برفقة طاقم تصوير تولّاه إخراجياً الراحل سعد الفريح، رحمه الله. كانت سفرة العراق ضمن مشروعٍ لوزارة الإعلام السعودية، لتسجيل حلقات تلفزيونية ضيوفها أعلام الثقافة العربية في وقتها. الحلقات لبرنامج “الكلمة تدقُّ ساعة”، ونصر لله هو معدّ البرنامج ومقدّمه، وواضع خططه. أمضى نصر الله جولة مكوكية في البلاد العربية، وعاد منها بأكثر من 80 حواراً متلفزاً يمكن وصف مادتها ـ اليوم ـ بأنها سجلٌّ حيوي لذاكرة الثقافة العربية أواخر سبعينيات القرن المنصرم.

محطة عراقية

كانت العراق واحدة من محطات محمد رضا نصر الله. أنجز فيها الكثير. زار مسقط رأس الشاعر بدر شاكر السياب “جيكور” وأعدّ برنامجاً وثائقياً عنه، شارك فيه ابنه غيلان وابنتاه غيداء وميساء، وخالهم طه عبدالجليل، وصديقه الشاعر والروائي والرسام الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا والناقد د عبدالواحد لؤلؤة والناقد ماجد السامرائي، كما اشترك في الحلقة المستشرق الفرنسي الشهير جاك بيرك، علاوة على فلاحين من أقرباء السياب في قريته جيكور التي تغنى بها في شعره.

نصر الله وبلند الحيدري في التسعينيات

وفي العراق، أيضاً، التقى رموز الثقافة العراقية، وقتها، وسجّلهم في حواراتٍ ثمينة. التقى بلند الحيدري، عبدالوهاب البياتي، مصطفى جمال الدين، عبدالرزاق عبدالواحد، علي جواد الطاهر، طه عبدالجليل والدكتور عبدالواحد لؤلؤة، القاصة عالية ممدوح، الناقدة لطيفة الدليمي، المؤرخ احمد سوسة اليهودي الذي تحول الى الإسلام، وهو مؤلف كتاب اليهود واليهودية في التاريخ. إضافة إلى الفلسطينيين اللذين عاشا في العراق جبرا إبراهيم جبرا، وغالب هلسا.

مع الوزير جاسم

بعد إنجاز المهمة؛ طلب نصر الله لقاء وزير الثقافة والإعلام العراقي، حينها، لطيف نصيف جاسم. كان هدف اللقاء؛ تسليم خطابين اثنين، من رئيس تحرير صحيفة “الرياض” تركي السديري. أحد الخطابين يطلب الموافقة على تعيين الصحافي العراقي نجم السعدون مراسلاً للصحيفة في بغداد.

أما الآخر؛ فهو طلب إجراء حوار مع “السيد الرئيس” صدام حسين شخصياً الذي أصبح رئيساً للعراق للتو. وضمن الخطاب الأسئلة. قرأ الوزير الخطابين، وقرأ الأسئلة، لكن وجهه بدأ يحمرُّ، وحاجباه يقطبان، ثم قال كلاماً لا يجوز نشره هنا. وانتهى اللقاء متوتراً دون حسم.

خان مرجان.. المعلم الأثري العريق (المصدر: ويكيبيديا)

العشاء الأخير

لكن هناك حفل عشاء مبرمج يومها ـ مصادفة ـ قبل لقاء الوزير بنصف ساعة. حضر نصرالله وفريقه العشاء في قصر خان مرجان العباسي. كان كلُّ شيءٍ طبيعياً وعفوياً ومريحاً. هناك لفيف من المثقفين العراقيين، وبعض مسؤولي وزارة الإعلام. إنه شهر أكتوبر المعتدل، وعشاء الموقع الأثري العريق، وسط حشدٍ من المثقفين، يبعث على الزهو لشاب في الـ 27.

ثمّ حدث ما عكّر الصفو، وأربك نفسية الشاب المتحمس. اقترب الصحافي أمير الحلو من نصر الله، وفي همسةٍ قصيرة؛ جاء تحذيرٌ أحمرُ لا بدّ من الاستجابة له. سفر نصر الله إلى العراق كان ضمن وزارة الإعلام السعودية، لكن نصر الله كان يشغل منصباً آخر في القسم الثقافي من صحيفة “الرياض”. لذلك؛ أوكل إليه رئيس التحرير مهمتين مع الحكومة العراقية: تعيين مراسل وحوار مع صدام حسين..!

يقول نصر الله إنه ما زال يحتفظ بالأسئلة التي أعدّها بنفسه، وتدور محاورها حول واقع العراق بين إزاحة محمد حسن البكر، وحادثة قصر “الخلد” المشهورة، وكذلك حول العلاقة مع أمريكا وإيران، والتوتّر الذي انتهت مآلاته إلى الحرب في العام التالي. أسئلة على هذا النحو أغضبت وزير الإعلام، والوزير لا يعمل وحده، ومعلومات الحوار لن تكون محصورة بينه وبين الصحافي السعودي المتحمّس. مؤشرات الخطر بدأت تظهر فعلاً، وحين جاء أمير الحلو إلى محمد رضا نصر الله، على مائدة العشاء، بدا الأمر وكأن إجراءً أمنياً على وشك النضوج.

الصحافي العراقي أمير الحلو توفي 2015

هل أنت “امْخَبَّلْ”؟

أمير الحلو كان ـ وقتها ـ مدير مكتب وزير الإعلام، وهو من الصحافيين العراقيين الذين كانوا على مقربة من صناعة القرار. وقد تكون انحناءته وهمسه لنصر الله مجرَّد تخويفٍ يستهدف إبعاد فكرة حواره مع صدام حسين. لكنه ـ على أي حال ـ يجب أن يُحمَل على محمل الجد. إنها بغداد سنة 1979، وصدّام حسين دشّن عهده بقرارات كبيرة استهدفت حتى زملاءه في الحزب.. فما الذي سيحدث لو وضع جهازه الأمني يده على صحافي بأي تهمةٍ من التهم الأمنية..!

على هذا التفسير والتفكير؛ قرّر محمد رضا نصر الله أن يكون عشاؤه القادم في دمشق، هناك قائمة أسماء طويلة من المثقفين السوريين لا بدّ أن يُنجز حواراتهم في محطات “الكلمة تدق ساعة” الكثيرة.

حزم حقائبه، وأخبر فريق العمل بضرورة السفر، دون أن يعرف أيّ منهم بالحقيقة.. حقيقة التهديد الذي شعر به.. سافر الفريق إلى الشام قبل مغرب اليوم التالي.

نصر الله متحدثاً عن ذكريات مع الشخصيات والمشاهير

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com