كامل الخطي للقائمين على الحسينيات: لا تقلقوا من التنظيم.. بل من الفوضى الدولة كفلت حرية العقائد وإقامة الشعائر تحت سقف النظام

القطيف: صُبرة

بوضوح وصراحة؛ يوجّه مستشار دائرة الأوقاف والمواريث في القطيف كامل الخطي رسالة مباشرة إلى القلقين من الدور الجديد للدائرة؛ قائلاً “لا تقلقوا من التنظيم؛ بل من العشوائية”، ويؤكد “حريتكم مكفولة متى ما أصبحت تلك الأنشطة تحت سقف القانون”.

المستشار الخطي الذي يحوم حوله جدل في مجتمع القطيف؛ منذ تعيينه في أكتوبر 2019م؛ حلّت “صُبرة” ضيفة على مكتبه في الدائرة؛ وقدّمت له الأسئلة الصريحة؛ وقابلها بإجابات لا تقل صراحة.

اختصاص حساس

بصفة اختصاصها الوحيد والحساس في الشؤون الشرعية الخاصة بالمذهب الجعفري في القطيف؛ تواجه دائرة الأوقاف المواريث سلسلة من المسؤوليات الشرعية والوطنية والاجتماعية. وتحت مظلة وزارة العدل؛ تمارس الدائرة اختصاصاتها العدلية الإنهائية التي حدّدتها الوزارة منذ عام 1426ه، ضمن ترتيبات عامة على مستوى المملكة.

ومنذ ذلك التاريخ؛ يجري العمل على إعادة بناء المؤسسة من الداخل، لتمارس اختصاصاتها القضائية، ضمن مشروع إصلاح القضاء السعودي الذي انطلق منذ أكثر من 10 سنوات؛ وربطه بمشروع الرؤية الوطنية 2030 والتحوّل الوطني، مع أخذ اعتبار الخصوصية المذهبية لأبناء الطائفة الشيعية، وبالذات فيما يخصّ اختصاصات الأحوال الشخصية، والأوقاف.

راهناً؛ يجري العمل على إعداد الترتيبات المستقبلية لعمل الدائرة، لتؤدي الدائرة عملها بسلاسة، أسوة بالدوائر القضائية الأخرى في المملكة، وتصل إلى مرحلة حلحلة الملفات العالقة، وربط إجراءاتها بإجراءات الدولة الطبيعية.

المشروع لن يُستكمل في عام أو عامين، إلا أنه بدأ، ومن أجل فهم تفاصيله أكثر؛ كان هذا الحوار الصريح والمباشر مع مستشار الدائرة كامل بن عبدالحميد الخطي؛ الذي طرحت “صُبرة” عليه أهم الملفات الواقعة تحت التساؤلات الاجتماعية في المحافظة..

قاضٍ ومستشار

في البداية؛ جعلنا السؤال شخصياً؛ عن دوره هو في الدائرة، ودور القاضي الماثل على رأس الدائرة..؟

الدائرة تحت مسؤولية القاضي أولاً وأخيراً، بموجب المادة الثامنة من اللائحة المنظمة. وهو متفرّغ كليّاً للعمل العدلي القضائي، ويمارس من موقعه الصلاحيات المخوّلة له بموجب اللائحة. والقاضي الحالي هو الشيخ عبدالعظيم المشيخص، وهو يتبع الجسم القضائي بشكل حاسم.

أما المستشار ـ سواء كان أنا أم غيري ـ فدوره إداري صرفٌ، ولا يد له في أي شأنٍ عدلي قضائي. وهذا الدور دور مساندة إدارية تختصُّ في الإجراءات غير العدلية وغير القضائية. وهذا معمولٌ به في المحاكم السعودية منذ عقود طويلة، وليس شأناً مستجداً يبعث على التساؤل.

وظيفة الدائرة

برز السؤال: لماذا تكثر التساؤلات حول وظيفة الدائرة الحالية؟ وما الفرق بين وظيفتها القديمة؟ والوظيفة الحالية والمستقبلية..؟ وإلى أين هي ماضية في مشروع إعادة بنائها من الداخل..؟ وما الهدف النهائي..؟

– يعود السبب الرئيس وراء كثرة التساؤلات حول وظيفة الدائرة إلى عدم رسوخ فكرة تحولها من محكمة كانت لها بعض الاختصاصات النوعية في نظر الخصومات والحكم بشأنها، إلى دائرة تختص بإثبات الإنهاءات في الأحوال الشخصية للمواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية.

الاختصاص النوعي

أكثر أسئلة الناس حيرةً حول الدائرة؛ هو ذلك الاصطلاح العدلي القانوني الغامض “الاختصاص النوعي”.. فقد كان الناس يأتون إلى “محكمة الأوقاف والمواريث” ويتقاضون فيها.. أما الآن؛ فإنهم لا يمكنهم ذلك.. فما هو “الاختصاصي النوعي” الذي تعمل الدائرة ضمن حدوده..؟

تعمل الدائرة ضمن حدود اللائحة التنفيذية لعمل قاضي الأوقاف والمواريث وهيئة التدقيق، والاختصاص النوعي محل السؤال هو ما حددته تلك اللائحة في مادتها الثامنة التي تنص على: “يختص القاضي بإثبات ما ينهى به إليه في الأحوال الشخصية للشيعة .. إلخ”، وتستكمل صورة الاختصاص النوعي للدائرة بالمادة التاسعة من اللائحة التي تنص على: “لا يجوز للقاضي النظر في الإثباتات إذا كانت فيه خصومة بين أطرافه، أو نشأت خصومة أثناء نظره، أو وجد اعتراض على نظره ممن له مصلحة فيه، ويكون النظر في ذلك من اختصاص المحاكم”

حسم القضايا

قد يكون الاختصاص النوعي معضلة من المعضلات من الناحية الفقهية عند الناس.. بالذات حين يرتبط الأمر بالطلاق.. فما هي حدود صلاحيات الدائرة..؟ ولماذا يؤاخذ بعض المتقاضين الدائرة في توقفها عن حسم القضايا فيها..؟

هذا سؤال مزدوج أو سؤالين في سؤال!

لإجابة الجزء الأول من السؤال سأضطر للاستعانة بتكملة المادة الثامنة من اللائحة التي تنص على أن للقاضي إثبات أوقاف الشيعة ووصاياهم، والتولية عليها، والإذن في بيعها، واستبدالها للمصلحة، وحصر الورثة، وقسمة المواريث، وإثبات النكاح، وإثبات الطلاق، والرجعة، والخلع، وما عدا ما ذكر فهو من اختصاص المحاكم، أو كتابات العدل.

وكذلك سأضطر للاستعانة بالمادة التاسعة من اللائحة لأجيب على الجزء الثاني من السؤال، فالمادة التاسعة لا تُجَوِّز للقاضي النظر في الخصومات، وعند نشوء خصومة أثناء نظر القاضي في الإثباتات، يتوجب على القاضي التوقف عن استمرار النظر، وإحالة المتخاصمين إلى المحاكم.

نظامي وفقهي

الدائرة تمارس إيقاع الطلاق ضمن حالتين فقط: حالة طلب الزوج الطلاق، وحالة الخُلع الذي تطلبه الزوجة ويتم بالتراضي.. وإذا حدث ورفض الزوج الخُلع؛ فإن دور الدائرة هو إحالة القضية إلى المحكمة العامة للنظر في القضية. وقد يتمّ الطلاق فعلاً. لكن هذا الحلّ النظامي السليم؛ يواجه مشكلة فقهية تخص الفقه الجعفري.. فما هو المخرج الفقهي الذي تتعامل معه الدائرة..؟

هذه مشكلة حقيقية، وهي موضع اهتمام على أعلى مستوى لكي يصار إلى اعتماد آلية تكفل حل هذه المشكلة بشكل بات، وما يجري حاليًا هو أن الدائرة تستقبل طلبات النساء اللاتي طُلِقْن في المحاكم العامة أو محاكم الأحوال الشخصية ضمن جغرافيا تمتد من الخفجي شمالا إلى الخبر جنوبًا، وهذه الطلبات تنشأ من رغبة النسوة في أن يعاد تطليقهن وفق المباني الفقهية الجعفرية، وهذا أمر لا صلاحية للدائرة فيه، لكننا نستقبل تلك الطلبات ونتواصل مع الأزواج تأسيسًا على القاعدة المنصوص عليها في الآية الكريمة {فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان}، فيستجيب بعض الأزواج مع سعينا ويرفض آخرون التجاوب؛ في حال الاستجابة نتمم لراغبي الطلاق وفق المباني الفقهية الجعفرية الإجراءات اللازمة، وفي حال الرفض فإننا لا نملك من الأمر شيء في الوقت الراهن، وأكرر ما استهليت به إجابتي هذا السؤال بأن المسألة برمتها موضع اهتمام على أعلى مستوى، ومتوقع جدًا أن نشهد تطبيق حل ما قريبًا.

خلافات الورثة

كما يجري في الطلاق يجري في المواريث.. ما هي الآليات المتعلقة بالاختصاص النوعي في الدائرة.. وما هي حدود صلاحياتها حين تواجه خلافات ورثة متنازعين في القسمة؟ ومتبادلين تُهماً للذمة وما أشبه..؟

يجري على المتنازعين في القسمة ما يجري على جميع أطراف الخصومات الأخرى، ألا وهو إحالة أطراف الخصومة إلى المحاكم المختصة

مواريث.. وأوقاف

قد تكون قضايا الطلاق والإرث شبه محسومة في دور الدائرة واختصاصها.. لكن موضوع الاختلاف مختلفٌ كثيراً، فهناك أن الدائرة تتبع وزارة العدل؛ في حين إن موضوعات الأوقاف مرتبط بالهيئة العامة للأوقاف.. فما هي الإجراءات التي تتبعها الدائرة لاستفادة المواطنين الشيعة من خدمات الهيئة فيما يخص التسجيل والتوثيق والحماية والشفافية والحوكمة..؟

علي في البداية أن أذكر ان الهيئة العامة للأوقاف هي جهاز حكومي حديث النشأة، ولا تزال الهيئة في مرحلة البدايات رغم ان نظامها قد صدر وأعلن وفق الأصول النظامية المرعية في المملكة العربية السعودية.

إن الأوقاف بعامة هي ضمن العمل الخيري بمفهومه الشامل، وعليه فإن من أغراض تأسيس الهيئة العامة للأوقاف هي إدارة الأوقاف والإشراف عليها وتطويرها وتعظيم ريعها والحفاظ عليها وحوكمتها بما يضمن أعلى درجات النزاهة في مراقبة ايراداتها وأوجه إنفاق تلك الايرادات. ومن العوامل التي تخفض مستوى استفادة المواطنين الشيعة من خدمات الهيئة إهمال كثير من ناظري وولاة الأوقاف أمر توثيقها إما بسبب الارتياب غير المبرر أو لجهل بما للتوثيق من أهمية أو لانعدام كفاءة هذا الناظر أو ذاك أو عدم أمانة بعض الناظرين والولاة

وقف التهاون

لعلّ الأوقاف هي أكثر المسائل حساسية في مجتمع القطيف.. فما الذي لدى الدائرة من تصوُّر لوضع هذا الملف على سكة آمنة وسليمة وخالية من شوائب النزاعات طويلة الأمد والفساد..؟

لعل ما سيساعد على استقرار وضع الأوقاف في المملكة إجمالا، وفي القطيف والأحساء على وجه خاص، هو ناتج عمل منصة إحكام العقارية التابعة لهيئة عقارات الدولة؛ فبعد حصر جميع الأملاك التي لا صكوك ملكية لها ولا حجج استحكام، وتقديم القرائن والبينات الكافية والدالة على ملكية هذا العقار أو ذاك للمواطنين، تعطي هيئة عقارات الدولة الإذن باستخراج المستندات النظامية الدالة على الملكية، ولن يكون أمر استخراج تلك الوثائق اختياري، بل سيكون الخيار الوحيد أمام من صدر له إذن استخراج صك ملكية، وبهذا ستنتهي مرحلة وجود عقارات تحت أيدي إناس لا يمتلكون ما يثبت أحقيتهم في وضع تلك اليد.

مشكلات

على وجه التقريب؛ كم يصل عدد الأوقاف الدائرة في المحافظة الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية..؟ وما هي نوعياتها..؟ وما أهم مشكلاتها..؟

لن أعطي رقما، ولكن تبلغ نسبة الأوقاف – على وجه التقريب – بين ٦٥ و ٧٥ بالمئة من إجمالي الرقعة الزراعية بمحافظة القطيف

تراخيص المأذونين

هناك ما يُشبه الاتهام يدور حول الدائرة بشأن إصدار رخص جديدة لمأذوني الأنكحة.. فما هو الوضع من جهة الدائرة..؟

سبق أن صرحتُ لهذه الصحيفة عن وضع مأذوني الأنكحة في المحافظة، وقلت إن تراخيص المأذونين تصدر عن وزارة العدل مباشرة، وليس عن الدائرة، وأن مأذوني الأنكحة المرخصين في محافظة القطيف يتجاوز عددهم 40 مأذوناً، وهم يمارسون عملهم ضمن المتبع نظاماً وفقهاً.  وعدد المأذونين الذين سبق لهم الحصول على تراخيص وصل إلى 55 مأذوناً، لكن 6 منهم ألغيت تراخيصهم بسبب ارتكاب مخالفات، و6 آخرين لم يتقدموا بطلب تجديد الترخيص، كما أن هناك مأذوناً واحداً أُلغي ترخيصه بسبب الوفاة.

وهنا أضيف أن الدوائر والمحاكم كان لها دور في التوصية بالترخيص، أما الآن فقد أُلغي هذا الدوار تماماً، وباتت جميع إجراءات التراخيص عبر طلبات إلكترونية في موقع وزارة العدل، ولدى وزارة العدل اشتراطات محددة؛ إن انطبقت على طالب الخدمة؛ فإنه يُمنح الترخيص، وإن لم تنطبق عليه الشروط؛ يُطلب منه استيفاء الشروطة لاستكمال إجراءات الترخيص.

عاشوراء

لنذهب إلى مسار آخر لم يكن ضمن اختصاص الدائرة.. في شهر محرم من العام الماضي ومحرم العام الجاري؛ وجد أصحاب الحسينيات أنفسهم أمام إجراءات جديدة دخلت دائرة الأوقاف والمواريث على خطّها.. والحقيقة هي أن هناك كلاماً كثيراً يُقال بين الناس.. السؤال: ماذا لدى الدائرة حول هذا الملف..؟

تشهد القطيف على مدار العام نشاطاً دينياً له طابعه الخاص، ولا توجد جهة حكومية تمتلك دليل إجراءات أو تعاميم تنظيمية شاملة تختص بهذا النشاط، وهذه حالة فراغ اضطرت بسببها بعض الأجهزة الحكومية إلى التعامل معها لسدها، وبما أن الأجهزة التي اضطرتها حالة الفراغ إلى المعالجة الوقتية، هي أجهزة غير مختصة، فقد اتسم تنظيم ذلك النشاط الديني بعشوائية فريدة من نوعها، الأمر الذي أبان عن حاجة ملحة لايجاد جهة حكومية قادرة على فهم ذلك الطابع الخاص وقادرة على التعامل معه بتنظيمه وإدارته، فاتفق عددٌ من الأجهزة والإدارات الحكومية المعنية بهذا الشأن على أن دائرة الأوقاف والمواريث بمحافظة القطيف تختزن ممكنات هذا الدور وتختزن ممكنات التطور الذي يؤهلها لسد هذا الفراغ التنظيمي والخروج من حالة العشوائية.

كما أجدها فرصة مواتية لتمرير رسالة عبر هذه المنصة المحترمة إلى من ينظرون إلى الدور الجديد الذي تؤديه الدائرة لتنظيم النشاط الديني، نظرة قلق وخوف، وأقول لهم: عليكم ألا تقلقوا من التنظيم، بل إن العشوائية هي مصدر القلق؛ فحريتكم مكفولة متى ما أصبحت تلك الأنشطة تحت سقف القانون؛ فتحت ظلال القانون يتسع هامش الشفافية، ويضيق هامش الغموض، وتصغر البقعة الرمادية التي تغطي جلّ مساحة المشهد حاليًا. بكلام آخر: اظهر نفسك لي لكي أتعرف عليك أكثر، وتحدث معي بوضوح لكي أفهمك أحسن.

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×