الغريافي.. ومعضلة الهوية ومأسسة العناية بالتراث

أثير السادة*

 

الغريافي عبدالرسول هو واحد من قلة تشاغلوا في وقت مبكر بسيرة القطيف المتحولة، وراحوا يجمعون الوثائق والصور، والمعلومات والمخطوطات، ويحيلونها إلى محاضرات هنا وهناك للتعريف بما سقط من ذاكرة المكان، وبما غاب عن ذاكرة العوام، عرفته كما عرفه أكثر الناس من خلال مساهماته في بناء القرى الشعبية والمجسمات التراثية في مناسبات مختلفة بالمنطقة، وفي سيهات عرفناه مدرسا للغة الانجليزية مطلع التسعينات ومن ثم اكتشفناه في ذات الفترة كمهتم بالتراث والحرف والبناء القديم عبر مشاركاته في تنفيذ المجسمات التي صاحبت مهرجانات الأعراس في سنوات توهجها ومبادرات شبيهة في نادي الخليج.

خبر ترصده النشرة الانجليزية في أرامكو السعودية يشير إلى حضور أبكر من ذلك في الثمانينات وهو يحاضر لهم عن كيتوس، ومنذ ذاك وهو يطل بين حين وآخر كمحاضر تارة، وكمرافق لمجموعات سياحية تارة أخرى، وكمرجع للباحثين عن معلومات لإتمام بحوثهم الجامعية، عقود ثلاثة وأكثر مرت وصاحبنا الذي دعي بالأمس ليتحدث في أصبوحات اللجنة الأهلية بسنابس عن تراث القطيف في عين السائح، مازال يتخير له مكانا في ساحة المهتمين بتاريخ المنطقة العمراني والإنساني.

هذا الإصرار مبهج في حد ذاته، غير أن هذه البهجة قد لا تكتمل ما لم تكتمل فصول الحكاية، حكاية التدوين والتوثيق وإحالة هذه الجهود الفردية التي يمارسها عدد معروف بالمنطقة إلى مبادرة جادة ومؤسسة، مبادرة لا يحركها فقط قلق الهويات وتعزيز صورة “السكان الأصليين” لدى ساكني هذا الإقليم، بل صناعة الذاكرة باعتبارها رافد من روافد الثقافة والهوية الجمعية، ذاكرة العلاقة بين الإنسان والمكان، والتي بها يمكن أن نفهم ماضي وحاضر ومستقبل التجمعات البشرية في هذه الأرض.

تنامى عدد المهتمين بالتراث وجمعه وتحقيقه، لكن الإحساس بأهمية وجود مؤسسة أو رابطة أو جماعة لبناء هذه الذاكرة لم يناله الكثير من الالتفات، قيل بأن محاولة هنا وهناك أطلت برأسها ثم توارت عن الأنظار، ولعل الانفتاح المعلوماتي وسهولة تداول المعلومة يجعل من مسألة إعادة النظر في هذا الجانب أمراً ذا بال وذا قيمة، فلو فتشت في فضاءات الانترنت لوجدت الكثير من المواقع العالمية التي خصصت لرصد ذاكرة جماعة أو بلدة أو حتى حقبة، هي بمثابة متاحف حية، وأراشيف متجددة، بها من الوثائق الورقية والبصرية والصوتية التي تشدد على قيمة العمل الجماعي في بناء الذاكرة وحراستها.

جغرافيا بهذا الاتساع وتاريخ بهذا العمق لا يمكن أن يبقى أسير محاضرات متفرقة، وألبومات رهن الحيرة، هنالك مبادرات تملأ فضاء الكون يمكن استنساخها، وأسماء ووجوه يمكن استدماجها للذهاب خطوة أخرى إلى الأمام في صناعة الذاكرة، فإذا لم يكتب أهل هذا المكان تاريخهم وعلى طريقتهم سيكتب لهم الآخرون ما يشاؤون وما ينتخبون من ذاكرة قد لا تصفهم كما ينبغي، ولا تحفظ من سيرتهم ما يليق بحضورهم في التاريخ والحاضر والمستقبل.

وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com