أثير السادة: سيرة الظاعنين على أطراف البحر

أثير السادة*

 

“طوبى لمن يرى البحر من بيته”..هذا التعبير للشاعر قاسم حداد، وهو عنوان لمقالة مدرجة ضمن إصداره نقد الأمل، مقالة باذخة في عواطفها واتصالها بالبحر، تصلح أن تكون سيرة قصيرة لكل الظاعنين على أطراف البحر، حيث الماء ليس حدا جغرافيا وحسب بل حكاية يومية، تنفتح لها كل أشرعة التفكير..البحر هنا رائحة ولون وخيالات وحزمة أمنيات لا ندركها إلا حين نشعر بتباعد المسافة ما بيننا وبينه.

أنا من الذين ولدوا في زمن ابتعد البحر فيه بمسافة عن البيوتات، قيل لي بأن ماءه كان يصل لحدود بيتنا، كما كان يصل لأطراف بيت جدنا من قبل، غير أني حظيت بمنظر البحر من علية البيت، من تلك السقوف المائلة التي عرفت بها بيوت الثمانينات، أنظر إليه بافتتان حيث لا بنيان يحول دون استراق النظر…صغيرة هي السفن من منصتي إياها، لكنها مطرزة بالتفاصيل الكافية لمنادمة سيرة البحر.

مضت الأيام، وتضاءلت فسحة النظر إلى البحر من كل الزوايا، إلا أن القدر حملني إلى مجاورة البحر في كل صباح، أصافح المد والجزر من خلف زجاج السيارة في طريق الذهاب والعودة إلى رأس العمل، مازالت النافذة مفتوحة على ما تبقى من بندر صفوى الذي غادرته السفن و القوارب قبل عامين، أطالعه بفرح كواحد من دواعي الصبر على طول المسافة، منبسطا في زرقته التي تحيل الصباح وعدا بيوم جميل آخر.

تغريني المزارع بخضرتها وذاكرتها بيد أن المشي على أطراف الماء أكثر اغراء لهائم بطفولته الأولى، يوميات القواقع التي عدت أجمعها طمعا بأن يتعلق بها الصغار كما صنعنا في مطلع الصبا، أتذرع بالرياضة في الصباح الباكر كي أقترب من صوت البحر ورائحته، وكي أحلم ببحر قريب كان بمثابة سؤال كبير في لحظات الطفولة التي رسمت بخطواتها علامات في كل اتجاهات المدينة.

اليوم لا نستنشق في البحر القريب إلا رائحة الذكريات، فالأصدقاء يتأففون بين وقت وآخر من روائحه الفائضة بسوء التدبير، روائح الردم والكب والتصريف، حتى زرقته الأثيرة باتت موحلة على الدوام، يختلط بها كل شيء، وينطمر في جوفها ما تكالب عليه من إهمال الناس، تراجعت صور البحر ومعانيه، حتى التنزه بجوار البحر ليس تنزها في البحر عينه، هو وقوف على أطلاله لا أكثر.

وبس.

________________

*من صفحته على الفيس بوك، بإذن منه.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com