رقية عجاج.. الكفيفة التي صنعت المعجزة من صفوى إلى مينيسوتا كرّمها مجمّع نهج الشفاء الطبي بحضور والدتها مساء الأحد

في كلّ عرقلة كان الله يُرسل إليّ من يساعدني

أم الساهك: أمل سعيد

حين انحنت رقية عجاج لتقبيل رأس والدتها؛ كانت الأمّ تُكثر من “الحمد لله، الحمد الله، الحمد لله”. لم تحمل النبرة سعادة أم بتفوق استثنائي لفتاة فقدت نعمة البصر منذ زمن طويل. بل كانت إحساساً عميقاً بهبة إلهية فريدة أيضاً. تسرّب إحساس الأم إلى الموجودين في المكان. رصدت عيون الأطباء والممرضين والحضور الآخرين مشهداً عاطفيّاً، حين راحت الفتاة النابغة رقية تضع جبينها عند جبين أمها.

رقية عجاج منحنية على أمها تقبل رأسها أمام الحضور

تكريم نهج الشفاء

ربما كان الشهود قلةً، لكن الموقف كبير. وبقدر ما فيه من زخم عاطفيٍّ ممتزجٍ بالإعجاب، ظهرت رقية ـ كعادتها ـ في ابتسامةٍ ذكية استمرّت طيلة وقت تكريمها، في مجمّع نهج الشفاء الطبي بأم الساهك، مساء أمس الأول. تسلّمت منسقة الحفل زهراء آل جعفر مكان الكلام، وألقت كلمة المجمّع، ووقفت إلى جانبها الدكتورة نورا الساده، وتجمَّع الحضور بين واقف وجالس، مركّزين على ضيفة الحفل. الفتاة التي وُصفت بـ “العمياء”، لكنها أثبتت أن بصيرتها قادرة على التفوق على المُبصرين.

رحلة طويلة

بدأت سنوات تعليمها الأولى بقليل من الإبصار. تلك مشكلة أصابت ثلاثة آخرين من أشقائها. مع ذلك؛ عبرت رقية عجاج سنوات التعليم العام كلها، دون أي تأخر أو عرقلة، جلست إلى جانب زميلاتها المُبصرات وحصدت العلامات العالية. ثم دخلت التعليم الجامعي متخصصة في الإعلام، وخرجت من جامعة الملك عبدالعزيز بـ “البكاليريوس”، ثم سافرت إلى الولايات المتحدة مبتعثة، وعادت قبل أشهر بالماجستير.. وهي تُعد العدة للعودة من أجل الدكتوراه.. لكن ذلك لم يُحسَم بعد..

رقية عجاج قصة طويلة لم تُفرش بالسجّاد الأحمر، وهذا هو السبب الواقف وراء تكريم مجمع نهج الشفاء الطبي لها، بحضور والدتها، وبعض أخواتها وقريباتها. وهذا ما أكده مدير المجمع رجل الأعمال حربي الهاجري، حين أثنى على عصامية رقية، ودور الأسرة، موضحاً أن مجمع نهج الشفاء الطبي بأم الساهك؛ وضع في خططه تكريم السعوديين الذين أثبتوا جدارتهم.

تحمّلت أسرتها العبء الأكبر وحضّروا لها دروسها

حين سألتها “صُبرة” عن أصعب ما واجهته طيلة سنوات دراستها وتحصيلها؛ قالت “أصعب ما واجهته في حياتي وعلى مدى سنوات دراستي هو تقبل الناس للشخص المختلف”. أضافت “منذ سنتي الأولى في المدرسة إلى نهاية المرحلة الثانوية كنت أنا الطالبة الوحيدة الكفيفة في فصلي، ولأن دراستي كانت في التعليم العام واجهت المعلمات والإداريات صعوبة في التعامل معي.. لم يسبق لهن التعامل مع حالات مشابهة. لذا كان على أهلي العبء الأكبر، فاهتموا بتحصيلي الدراسي، بالمذاكرة و التحضير للمواد الدراسية، كانوا دائماً معي وبجانبي”.

لم تتقبلها الطالبات.. ودعمتها معلمة بتكبير الخط

“كوني ضعيفة في النظر؛ لم تتقبلني بعض الطالبات. حتى بعض المعلمات. وعلى العكس من ذلك؛ أظهرت معلمات اهتماماً بالغاً، فكن يكبرن لي حجم الخط في الاختبارات. أتذكر أن معلمة من معلماتي ساعدتني كثيراً، فلم تكبّر لي الخط في ورقة الاختبار فقط وإنما في المنهج كاملاً.

في تلك الفترة لم أكن أعرف بعد ماذا أريد أن أكون، لكني كنت أطمح إلى أن أصبح شخصاً قادراً على تغيير المجتمع.. على الأقل أستطيع المطالبة بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والدفاع عنها، وتغيير النظرة التي ينظر الناس بها إليهم”.

درست الإعلام لإيصال رسائل ذوي الاحتياجات الخاصة إلى العالم

في الجامعة

في التعليم الجامعي لم تعد رقية الوحيدة في وضعها “في سنوات التخصص كان هناك بعض الطلبة المكفوفين”. تضيف “اخترت الإعلام لأن تجربتي كانت مليئة بالتحديات والصعوبات في التعليم العام. عندما دخلت الجامعة كنت أرغب في دراسة إدارة الأعمال، ومن ثم أفتتح مركزاً خاصاً بذوي الاحتياجات الخاصة. في الجامعة وجدت العديد من ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون مثل ما عانيت. أساتذة الجامعة لا يعرفون كيف يتعاملون مع ذوي الاحتياجات الخاصة؛ فقررت أن أتخصص في الإعلام حتى أكون صوتاً وقلماً يعبّر وينقل صوت ذوي الإعاقة إلى العالم”.

وأثناء الدراسة الجامعية “أجريتُ مقابلات مع المكفوفين وذوي إعاقة ناجحين، ولاحظت أن الإعلام المكتوب لن يؤثر في المجتمع التأثير المطلوب الذي أطمح إليه.. فبدأت أنسّق لحملات توعية داخل الجامعة ومن ضمنها حملة تقنية “بلا قيود” وهي تركز على توعية طاقم العمل في الجامعة من إداريين ودكاترة وطلاب أصحاء بالتقنية والتكنولوجيا التي أسهمت في جعل الكفيف معتمداً على نفسه، كالبرامج الناطقة والبرامج المكبرة وبعض أجهزة بريل التقنية”.

و “كان مشروع تخرجي عبارة عن برنامج تلفزيوني يتكلم عن ذوي التحديات البصرية، وفكرة البرنامج أن يكون جميع طاقم العمل في البرنامج التلفزيوني من المكفوفين من المعد إلى الضيف إلى المذيع، ماعدا المصور، بحيث نركز على مشاكل وقضايا وقصص كفاح ذوي التحديات البصرية”. وتم إنجاز “حلقة واحدة فقط منشورة في اليوتيوب مدتها 45 دقيقة، التقرير كان مع حسني بوقس اختصاصي التدليك الاسترخائي، وكنت أنا أول شخص يعمل معه تقريراً مصوراً.

بعد تخرجها؛ توقّعت رقية أن تجد الطريق سهلاً، لكنها مُنيت بصدمات، إذ لم تحصل على فرصة العمل في الإعلام. فكانت هذه الصدمة مدخلاً لفرصة أفضل.. تقول “كانت خيرة أني لم أتوظف، حيث فُتح باب الابتعاث وقدمت أوراقي مباشرة ودون تردد، ومع أني واجهت بعض الصعوبات أثناء مطابقة الأوراق، لكنني ـ في النهاية ـ حصلتُ على البعثة وسافرت إلى الولايات المتحدة”.

في تكساس

في أمريكا ذهبتْ إلى معهد في تكساس. واجهتها صعوبات التواصل. “كانوا يتعاملون بالصور لتعليم اللغة للأجانب. ومع ذلك كان الله معي وتفضل عليّ بأن رزقني زميلتين طيبتين، وتناوبتا في أوقات الفراغ على شرح الصور لي، وهكذا تجاوزت مشكلة تعلم اللغة.

ثم انتقلت “إلى مينيسوتا في منيابلس.. “في كل مرحلة من مراحل دراستي هناك؛ كان الله يرسل إليّ من يساعدني ويقف إلى جانبي”.

تطمح إلى الإسهام في الدفاع عن “ذوي الاحتياجات” في وطنها

التربية الخاصة

اختارت رقية مجال التربية الخاصة “لأني كنت أظن أني إذا تخصصت فيها فسوف يكون لي صوت أقوى في الدفاع عن ذوي الاحتياجات الخاصة، وفي معرفة احتياجاتهم التربوية. خلال دراستي لتخصص التربية الخاصة تعرفت على تخصص آخر، هو القيادة والتطوير ومقارنة التعليم على المستوى الدولي وقدمت عليه وقُبلت. أيضا حصلت على دبلوم في قوانين ذوي الاحتياجات الخاصة. احتجت 3 سنوات للحصول على الماجستير والحمد لله تخرجت”.

رؤية 2030

قطعت رقية كلّ هذه الأشواط مؤمنة بأن الله كان معها. وهي تتأهّب لمواصلة الشوط الأكاديمي الأخير للحصول على الدكتوراه. وقد قُبلت أكاديمية في الجامعة. لكن الخطوة المهمة هي قبولها من خلال برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي.. تقول “عليّ أن أكمل في التقييم التربوي لتكون عندي رؤية أوسع في كيفية تقييم التعليم في مجال التربية الخاصة هنا في المملكة، لأني أرغب في الإسهام في تطوير الخدمات المقدمة لذوي الاحتياجات الخاصة بناء على رؤية 2030.

 

 

رقية عجاج تسرد قصبتها لـ “صُبرة”

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com