حيدر.. أيقونة صبر وكينونة جمال

في الـ 16 من شهر يونيو 2018؛ كتب السيد جمال أبو الرحي هذه السيرة عن السيد حيدر أبو الرحي. وهذه الليلة؛ ارتقت روح السيد حيدر إلى بارئها. وتُعيد “صُبرة” نشر المقال الذي تحدث فيه السيد جمال عن الراحل روحاً وجسداً.

حيدر.. أيقونة صبر وكينونة جمال

جمال علوي أبوالرحي

في أيام العيد السعيد لا ننسى أن نبارك للمرضى جميعاُ وندعو لأن يشفيهم الله وتطيب نفوسهم وأجسادهم. ونذكر اليوم قصة مؤلمة ولكنها ملهمة..

منذ بداية أيام الشهر المبارك إلى يومنا ما زال سيد حيدر أبوالرحي الموظف في فرع المياه والمحبوب من مجتمعه يرقد على السرير الأبيض والجميع يدعون له بالعودة لأهله وأحبابه ولقريته القديح معافى من الأزمة الصحية التي تعرض لها مؤخراً.

سيد حيدر

لا أدري كيف صنعت هذه الروح الملائكية لهذا الإسم كل تلك الجاذبية وذلك الجمال الذي أجبر جميع القلوب بالتعلق بماء ورده وطيب أنفاسه وطهارة معدنه. يا ترى ماذا زرع في تلك القلوب ليحصد منها كل تلك المحبة وذلك العشق والتعلق الكبير الذي يستحيل أن ينفكك منها ولو دقيقة من الزمن.

المتأمل في بحر صبره الجميل وبساتين بسمته يدرك أن هذه الروح تسمو في معارج الجمال وتنهل من ينابيع الورد المحمدي الأصيل. السر في تعلق الناس بروحه هو تعلقه بربه فقد كانت روحه شفافة كالماء لذلك حضرت الروح وغاب الجسد

كما قال الشاعر أبوالفتح البستي

أحـسن إلـى الناسِ تَستعبد قلوبهم

فـطالما اسـتعبدَ الإنـسان إحسان

يـا خـادمَ الجسم كم تَسعى لخدمتَهِ

أتـطلب الـربحَ مما فيه خسران ؟

أقـبل على النفس واستكمل فضائلها

فـأنت بـالنفس لا بـالجسم إنسان

سيدحيدر

هو صورة من الصور الجلية لمفهوم الصبر الجميل الذي طبقه في واقع الحياة وميادينها مع تعدد ميادين البلايا والألم.

“الصبر الجميل” الذي يعني تمام الرضا بقضاء الله وقدره وأنه لم يرى من الله إلا الجميل مع طول البلاء وتعاظمه لذلك تجده دائم البسمة و الأمل منشرح الصدر يمنح النفوس المحيطة به كل الجمال والراحة يرش على القلوب المتعبة ماء الورد من بسمته المزهرة وضحكته الصادقة وحسه المرهف

فقد كان لا يجيد التصنع بل كانت البساطة والعفوية الجميلة تملئ جوانب حياته وهي سر جذبة القلوب إليه.

تأملت عميقاً في ذاته وكينونتها وكيف زرع وعمر له تلك الواحة الغناء التي يميز روعتها بأن قطوفها دانية ومثمرة طوال العام..

هذه الروح الملائكية أسست في وجودها على هذه الأرض بنيانا أخلاقياً يشع بالجمال الذي أبهر أبصار القلوب الناظرة إليه.

العليل والصورة المشرقة

كيف تحول الإرادة الصلبة الإعاقة إلى طاقة تصنع معجزة الجمال في الحياة..؟

كيف لها أن تقفز من وحل الإحباط والألم وأن تهبط على مدارج ساحل الأمل..؟

كيف كان دائما ما يحرج الأصحاء حينما يروا منه كل ذلك الجمال في الصبر والجمال في الروح المبتسمة في جميع أحواله فلم نراه إلا باسما وقمة الجمال في خدمة الناس والسعي في قضاء حوائجهم..؟

حيدر الظاهرة

من عرف سيد حيدر ورافقه وجالسه واحتك به عن قرب متيقن بأنه كان ظاهرة غير طبيعية في مجتمعنا صنع من المستحيل اللا مستحيل لم يلغِ مصطلح الإحباط من الحياة فقط، بل حوله إلى كائن حركي يتحول من صورة الموت والظلمة إلى فراشة الحياة والصبح الجميل.

لو رأيناه صابراً فقط لما أحدث هزة ودهشة في قلوبنا بل وصل لمقام الصبر الجميل أي وصل لمقام الصبر وتجاوزه ليصل لمقام الجمال في الصبر وهو مقام يسمو بصاحبه لمعارج القرب من الجميل والسكون في فردوسه

من يقرأ هذه المقولة وهذه الحكمة “المؤمن حزنه في قلبه وبشره في وجهه وهي مقولة وحكمة للإمام علي عليه السلام ومن يتأملها وهو عارف بمعدن سيد حيدر الجمالي يدرك أنها مفصلة عليه تفصيلا دقيقاً.

لم تغب عن وجهه يوما تلك البسمة التي كنت أسميها.

من رياحين الجنة

حتى في أحلك الظروف وأشدها وأنا أجزم أنه حتى في هذا الظرف الصعب هو مبتسم دائما ولكنا لانرى تلك البسمة لأن قواه المنهكة لا تستطيع ترجمة مشاعره الحقيقية وما أخفاها عنا سوى ذلك الظرف القهري الإجباري وسيزول بلطف الله ، فطبيعته الجمالية هو صناعة وإنتاج الفرحة وبثها في نفوس الآخرين.

سيد حيدر دائما يبث في الحياة أريجا يعطر به الأجواء من خلال زهور بسماته التي تملئ الكون الإنساني إشراقا وحياة. أتذكر قبل 22 عام تقريبا رافقته في المستشفى التخصصي بالرياض وكان هو من يؤنسني ويسليني !

بالرغم أنه كان يعاني التعب والألم والأوجاع وتوقفت كليته عن العمل بعد محاولات عدة لإنعاشها وفي الأخير انتزعت تلك الكلى من جسده وهو ضاحك مستبشر.

بالله أين نجد روحا كهذه الروح وقلبا مثل هذا القلب ورجلا مثل هذا الرجل !

صورة وفاء

قبل أشهر أرسل السيد حيدر أعاده الله إلى أحبابه سالما معافى صورة سيلفي مع أخيه الأصغر سيد شريف  وهو على فراش العمليات في بلاد الهند هذه الصورة هزتني من الأعماق وقلت في نفسي لو سلط الإعلام عليها الضوء لأصبحت صورة عالمية لما تختزنه من قيمة إنسانية ومعنوية عالية المضامين.

كيف لمعاق أن يسافر بعيدا لعلاج مريض ويعتني به عناية فائقة جسدية ومعنوية طوال الرحلة العلاجية في بلاد الهند.. موقف أخوي في قمة الوفاء والإنسانية يدرس للملايين في هذا العالم

وأخيرا كلنا أمل بلطف الله وعنايته الجميلة أن يجعله في درعه الحصينة وأن يذهب عنه كل البلاء ويرده إلى أهله ومحبيه سالما معافى فتفرح القلوب برؤياه وتأنس النفوس بلقياه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com