مَشَاهِدْ حَيّـة

إبراهيم الزين

 

المشهد الأول

كنت وغيري في مغتسل الموتى بانتظار تشييع أحد الأقارب ، وقد جئت متأخراً ولم ألق مكاناً أجلس فيه مثلي مثل غيري ممن بلغ من العمر ما يجعل الأصغر يفسح لي مكاناً للجلوس وخاصة ممن يعرفني ، وهذه العادة ولله الحمد من العادات الرائعة التي نعتز بها في مجتمعنا القطيفي حين يتسابق الأصغر سناً في إفساح المجال لمن هم أكبر منهم ، وهي تنسحب حتى على مقامات الأفراد ووجاهاتهم في المجتمع حيث يحظون بالتقدير والتقديم من بني مجتمعهم المؤمن والذي تربى على الأعراف الحميدة الجميلة وتوارثها أبنائه جيلاً بعد جيل . ولكن ذلك اليوم وفي ذلك المكان لم يحصل لي سوى الجلوس متربعاً ومستنداً بنصف ظهري على أحد الأعمدة وسط المغتسل وهو أمر عادي جداً بالنسبة لي ولله الحمد . القضية ليست هنا ، بل هي في بعض الشباب الذين لمحتهم ولمحوني عياناً بياناً حين كانو ينظرون لي وأنا أبحث عن مكان للجلوس وقد كنت بقربهم وهم ينظرون دون اكثرات . وليست القضية والمشكلة هنا أيضاً ، بل هي في سلوك هؤلاء والذي أخذ ينحدر إلى مستوى مؤسف حقيقةً ، والسبب كما علمت لاحقاً حين سألت أنهم انتهجوا أحد تلك التيارات السيارة حول العالم والتي ما فتأت تظهر لنا بين الفينة والأخرى ، وتنقشع بسرعة الدخان ، هؤلاء ديدنهم ازدراء بقية أفراد المجتمع بطريقة تثير الإشمئزاز والإمتعاض والأسف على حالهم .

هؤلاء الذين كانوا في المكان أعرفهم تماماً ، ولم أر منهم من قبل سوى الإحترام والتقدير والمحبة ، ولكنهم تغيروا حين انجرفوا ، واتخذوا المواقف الشاذة عن المجتمع ، وسلكوا مسلك الإختلاف والخلاف عما كنا ولا زلنا عليه ، وأصبحوا في حالة لا نأمل أن تطول ، وأن تنتهي مثل ما انتهت غيرها، وبقي الحق هو الثابت المطلق الوحيد . ونحن لا نريد الخوض في تشعبات ليست من اختصاصنا ولا اهتماماتنا ، ولكن الذي نريد قوله هو : ليتخذ أي أحد ما يريد وليتمذهب حسب ما يشتهي إن كان يظن أنه على سواء السبيل ، وأن ذلك ما يوصله للجنة وينقذه من النار ، ولكن لا يكن ذلك على حساب المبادىء والمسلمات ، ولا على حساب الأعراف والتقاليد ، ولا فوق التعاليم والثوابت التي كفلها الدين الحنيف ، والذي يتساوى فيه الجميع تحت مظلته ورسالته وتعاليمه . فليس من الدين الإستئثار بالحق والحقوق ، ولا يوجد فيه تحزب لجهة بعينها ، ولا تهميش لفئة وأخرى ، ونحن لا ننازع أحداً توجهاته ، ولا نبخسه حق تفكيره ، ولكن عليه احترام غيره والتعايش معه بسلام واحترام ، ومشاركة ومشاطرة في الحقوق والواجبات ، فلا يعتقد أن الذي اتخذه سبيلاً هو الحق الذي يحيطه ، وأن غيره على ضلال ، ولا قيمة له في ظل مناهج ظهرت لنا جديدة لم ينزل الله عز وجل بها من سلطان ، والذي نعرفه كما قلنا وحدث التاريخ عنه وأثبته أنها إلى زوال مثلها مثل غيرها طال الزمان أو قصر .

المشهد الثاني

مرت ليلة الناصفة الجميلة بما فيها من إيجابيات وسلبيات ، ولكنها تبقى جميلة رغم المنغصات ، والحقيقة أنني لا أدري عن أصلها وأصولها ، إنما نحن الشيعة يصادف أن نقيمها مرتين الأولى في الخامس عشر من شهر شعبان وهو تاريخ مولد الإمام الثاني عشر لدينا الإمام المهدي عليه السلام والمتفق على وجوده وظهوره الحتمي كما عند جميع طوائف المسلمين مع الاختلاف على مولده وعدمه ، وهذا الإختلاف لا يغير من الحال شيئاً وهو حتمية الظهور الشريف .

ما يثير الإستغراب في ليلة الناصفة وقد أشبع هذا الموضوع ولكن لا إجابة شافية ، هو أن المناسبة في الأصل للأطفال ، ولكن بقدرة قادر بدأت تتحول للكبار ، وللنساء بالخصوص ، ولا نعنى النسوة اللاتي يصحبن أطفالهن وإن كانت لدينا مآخذ في ذلك أيضاً ، إنما نعني اللاتي يناصفن على انفراد أو في جماعات ، ولن نتطرق لما هن عليه من لباس فذلك ليس موضوعنا في المقام ، إنما فقط حالة استغراب نسجلها ، والحالة في تزايد وكأن المناسبة تحولت لصالحهن ، وقد أصبحت منظمة تنظيماً ملفتاً ، وفي كل مناطق القطيف ، وفي حرص واضح على أن يجمعن من البيوت ما يتمكن منه دون تردد. نحن نقول دعوا المناسبة للأطفال فهي أحلى بهم ، وعلى البنات والأخوات أن لا يزاحمن الأطفال حتى لا يمتنعوا أو يمنعهم أهاليهم من الخروج للمشاركة مع أقرانهم ، وليت المناسبة تتضمن بعض الفعاليات الحية في كل حارة بحيث تضم أنشطة ومسابقات وفقرات توعوية إلى ما هنالك من ترغيب للطفل للتجمع في منطقة بعينها بدل أن يلفوا طوال الوقت حول البيوت .

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com