مكية «غناتية» تخبز «التاوة» بحنان.. في مكان «صاد» «التمكين» نقلها من «روضة سيهات» إلى إنشاء مشروع ناجح

سيهات: شذى المرزوق

متشحة بالسواد من أخمص قدميها إلى أطراف رأسها، لا يظهر منها سوى عينيها وراحة كفيها، إحداهما تمسك بكمية من العجين، تلتف على «التاوة» بدرجة 360 درجة، تشكل دائرة فأخرى، حتى يكتمل تشكيل القرص، تلتقط أنفاسها، لتبدأ في إزالة الخبزة استعداداً لوضع أخرى.

تكرر مكية الحمود هذه المهمة طوال 5 إلى 6 ساعات يومياً. غير أبهة بحرارة النار تحت «التاوة»، لا بل أنها تعامل أقراص الخبز بحنان وعطف، تماماً كما كانت تفعل طوال 23 عاماً مع أطفال روضة بيت الطفولة السعيدة الأول التابعة لجمعية سيهات للخدمات الاجتماعية، حيث كانت تعمل مشرفة نقل أطفال.

بسيارتها تصل أم أحمد يومياً إلى زاوية «صادة» لا يشاركها فيها أحد، في مواقف السيارات التابع إلى نادي الخليج في سيهات، ومركز الأمير فيصل بن فهد للمناسبات. تجلس هنا في انتظار عشاق خبز «التاوة».

رغم الهيئة التقليدية التي تظهر جلياً في لباس وأسلوب وطريقة حديث هذه السيدة التي اكتفت بشهادة الثانوية العامة قبل أكثر من ثلاثة عقود، إلا أنها تتحدث مع من يبادلها دفة الكلام عن تمكين المرأة، والسعي لإثبات الجدارة، والقدرة على صنع الفارق في ظل المتغيرات والتطورات الحديثة.

العمل حق طبيعي

هي في مطلع عقدها السادس، زوجة، أم لـ5 بنات وولدين، وجدة لعدد من الأحفاد. ترى أنها تمارس حقها الطبيعي في العمل الذي ترغب وتجيد.

البعض لا يعرف اسمها، أو حتى كنيتها، ولكن المارة في هذا المكان الحيوي من المدينة، يعرفها من هيئتها النحيلة، قد يُعد وجودها «أمراً جديداً»، لا بل يكاد يكون «غريباً»، وغير معتاد، خصوصاً في الفترات الأولى منذ بدء عودة الحياة الطبيعية بعد أزمة كورونا، حيث بدأت وقتها في بيع «التاوة».

في لحظات كانت بسطتها خالية من الزبائن؛ تحدثت إلى «صبرة»، عن «التاوة»، الأسرة، دافعها إلى العمل، قالت «بغض النظر عن مدى الحاجة للعمل من عدمها؛ اعتقد أن العمل في حد ذاته هدف ووسيلة في آن. ولا يمكن أن نقتصر على الجانب الذي يصنع من العمل وسيلة للرزق فقط، لأننا بذلك نقتل الطموح والسعي إلى تحسين الذات».

الدخل جيد

تحدثت الحمود (52 عاماً)، بهدوء ورزانة بنبرة سيهاتية بحتة، ومفردات عامية. لا تكاد تخلو جملة في حديثها من الكلمة المُحببة «غناتية»، وهي تعمل أمام موقدها الصغير على الطاولة التي وضعت فيها كل ما تحتاجه من مكونات لصنع «التاوة»؛ نوتيلا، جبن، بيض، وخلطات أخرى تضيفها إلى الخبز حسب الطلب.

قالت «بعد ما يقارب سنة على وقوفي للبيع في نفس المكان على فترات متقطعة من أيام الأسبوع؛ أصبح وضعي مألوفاً أكثر. والحمد لله بدأت أكسب أكثر مع ازدياد إقبال المارة، أو توقف السائقين للشراء».

تذكر مكية، أنها تفضل هذا المكان «الصاد»، على أن تبيع وسط ممشى حي الكويت الذي يرتادوه ممارسي رياضة المشي يومياً.

شغف «التاوة»

عن بداياتها؛ قالت «عملي في صنع التاوة نابع من شغف لهواية مارستها منذ الصغر، تطورت الأمور بعد أن انهيت دراستي الثانوية، وعملت في الروضة، ولم اتوقف عن صنع التاوة، إذ كنت أمارسها في فعاليات ومهرجانات الروضة».

بعد انتهاء عملها في الروضة (قبل سنتين)؛ بدأت مكية فعلياً في تأسيس مشروعها الصغير، ببيع خبز «التاوة»، متنقلة بين الأسواق الشعبية، ومنتزه سيهات، حتى وجدت هذا المكان، «وهآنذا أعمل بحسب ما يتناسب من الأيام للقدوم والبيع».

خلال العامين الماضيين؛ تعلمت مكية قيادة السيارة، ما ساعدها في إنجاح مشروعها، تقول «أعجن العجين في البيت، وأحمل لوازم العمل؛ الطاولة، المقود، التموين الغذائي في السيارة، واتنقل بسلاسة بين مواقع العمل التي اختارها للبيع».

مساندة الزوج

عن التزاماتها الخاصة؛ تضيف «لا يوجد لدي مسؤوليات كبيرة، فأولادي في سن الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية، بينما يتبقى لدي رعاية زوجي الذي يعاني من مرض السُكري، بعد أن أدت مضاعفاته إلى ضعف نظره، ووصل الأمر إلى الحاجة لإجراء عملية في العين، ما صعب عليه ممارسة عمله الذي يستلزم بقائه أمام شاشة الكمبيوتر، ما يجهد بصره، ويتسبب بآلام في رأسه، مع ارتفاع نسبة السُكر في الدم، خصوصاً في الآونة الأخيرة، ما يضعني أمام مسؤولية رعاية الزوج، الذي كان داعماً لي باستمرار».

تتمنى مكية الحمود أن يكبر مشروعها ويتطور أكثر، بطريقة تتناسب مع نمط حياتها، «مع أنني مقتنعة جداً بهذا المستوى الحالي من العمل، حيث الإقبال ممتاز، رغم هدوء المكان» تقول.

استكملت دفع الجزء الأكبر من أقساط السيارة التي اشترتها، «ولم يتبق الا اليسير لدفعه، وذلك حصيلة هذا العمل، وهذه نعمة من الله وفضل، أشكره وأحمده عليها، وأدعوه دوام التوفيق».

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×