شيعة العرب وإيران.. وطنيون رغم كلّ شيء آن الوقت منذ زمن

هاني نقشبندي*

هناك خلط كبير في العلاقة بين الشيعة في العالم العربي وإيران؛ إذ يرى السنة أن للشيعة العرب ولاءً خالصاً لطهران، ربما صح ذلك على مستوى طبقة سياسية محددة، أما على المستوى الشعبي العام، فلا مجال للقبول به، فللعربي هويته الخاصة أيا كانت طائفته، ونحن بقولنا إن الشيعي العربي مسلوب تجاه إيران، لا نجرده من عروبته فقط، بل نعريه من شخصيته.

حدثونا في طفولتنا عن الغزو الثقافي والفكري الذي يواجهنا به الغرب، قالوا إنه أخطر من الغزو العسكري، لأنه يمحو هويتنا وتاريخنا، يجعلنا تابعين لا مستقلين، ونحن إن سلمنا بخطورة التأثير الثقافي سنرى أن إيران، ومع ما حققته من مكاسب سياسية في المنطقة، قد فشلت في تحقيق أي اختراق ثقافي للعقلية العربية، والشيعية تحديدا، رغم كل ما أظهرته من وجه صبوح لها.

هل سمعتم عن شيعي يمني يستمع لأغنية فارسية؟.

هل سمعتم عن شيعي سعودي يحفظ الشعر الفارسي؟.

هل سمعتم عن شيعي لبناني أو عراقي، وهما الأقرب لإيران، يتحدثان الفارسية أو يكتبان بالفارسية، ولو كلمة واحدة منها؟.

هل سمعتم عن شيعي عربي واحد يريد الهجرة إلى إيران؟.

أبو بكر سالم بالفقيه (بحكم أصوله اليمنية) مطرب اليمنيين الأول، شيعة وسنة، الرصافي والجواهري والسياب شعراء للعراق كله، جبران خليل جبران هو أديب كل اللبنانيين شيعة وسنة ودروزاً وموارنة، فأين شعراء إيران وكتابها وموسيقاها وفنها من العالم العربي؟،أين هو تأثيرها الثقافي؟، لا وجود لذلك حتى في أكثر العقليات الشيعية العربية تشددا.

لا أقلل أبدا من عمق الثقافة الإيرانية وثرائها؛ لكني أقول إتها لم تستطع بما تحمله من إرث تنافسي ضد العرب، التأثير في ثقافتهم. لست أيضا أتحدث عن إيران كشعب جار وصديق، بل كسلطة، ونظام يسعى للتوسع في المنطقة مستعينا بالشيعة فيها.

 مع هذا، فلم يكن شيعتنا هم أدواته، بل إهمالنا بحقهم هو ما ساعد إيران على تحقيق امتدادها. حالة الغربة التي خلقناها، نحن السنة، للكيانات الشيعية في مجتمعاتنا، كانت خير معين لخصمنا؛ فقد تركناها منسية مهملة، من اليمن إلى لبنان، مروراً بالعراق.

 نحن من أعطى إيران الفرصة كي تقول لشيعتنا: أنتم المحرومون وأنا المعطي، أنتم المظلومون وأنا عدالتكم. لذلك فعلاقتهم بإيران هي علاقة مستنجد بطامع به، لا علاقة متمرد ثائر على وطنه.

وحتى في علاقة الاستنجاد تلك، أخفقت إيران في زرع ولو جزء ضئيل من ثقافتها في نفس أي عربي، وشيعي على وجه الخصوص.

ربما سيشكك كثيرون بما أقول، مستشهدين بمغزى مرجعية الشيعة العرب لمدينة قم الإيرانية. وأرد على ذلك بأن حتمية الولاء الديني لقم كمدينة مقدسة، لا يعني الولاء لطهران كنظام سياسي بالضرورة. تماما كما هو الماروني اللبناني يعتمد مرجعية الفاتيكان الدينية، فهل يلغي ذلك ولاءه للبنان؟

الإيمان بحق الشيعة في مواطنة عادلة، من المحيط إلى الخليج، محاربة فقرهم، تنمية مجتمعاتهم، دفعهم للانصهار العادل في أوطانهم، هو ما سيهزم أي تأثير أجنبي عليهم.

الشيعة جزء من المنظومة الثقافية العربية، وهي عصية على الاختراق. ودورنا، أن نؤمن بوطنيتها، ونقف معها، ندعمها وننميها، لا أن نشكك فيها ونعزلها، لأن ذلك تحديدا هو ما تريدنا إيران أن نفعله.

هل يعني ذلك أن تتحول مجتمعاتنا العربية إلى العلمانية؟

أقول إن عليها التحول إلى المدنية بكليتها، فمثل هذه الدولة المدنية قادرة على احتواء الجميع، فهناك أقباط في مصر، مسيحيون في الأردن والعراق، لماذا لم نتهمهم بالعمالة مع الغرب؟ ولماذا الغرب ليس قبلتهم؟ لأننا لم نقصيهم، وإن لم ننصفهم بالمطلق. ولأن اقتصادياتهم أفضل، والسبب الأهم، هو أنهم كالشيعة تماما، وطنيون رغم كل شيء.

_________

*كاتب سعودي مقيم في بروكسل. المقال من صفحته في فيس بوك. منشور بعد استئذانه.

‫2 تعليقات

  1. اشكر الكاتب المحترم على هذا المقال الوطني الرائع وان دل على شيء فإنما يدل على فكر نير
    وسعة إطلاع وتقديم صادق ينمي الروح والوحده الوطنيه في بلادنا الحبيبه الله يحميها من كل سوء
    واخيرا اقول للكاتب المحترم الله يكثر من امثالك.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com