الحقائق المكذوبة

ابراهيم الزين

من المؤسف له أننا تعودنا على انتشار الإشاعة قبل الحقيقة ، والكذب قبل الصدق ، وأننا نسلم بذلك للأسف قبل أن نكتشف أننا استغفلنا ، وتم الضحك على ذقوننا ، طائعين غير مكرهين ، وربما رتبنا على ذلك أموراً كثيرة سببت لنا حرجاً أو خسائراً أو مشاكل شخصية أو اجتماعية أو خلافها ، وكل ذلك بسبب تسرع في نشر أخبار يظن البعض أنها حقائق ، ولكنها للأسف حقائق مكذوبة ، ليس لها في الواقع من وجود .

يظن بعض البشر أن الأسبقية تعني دائماً التميز على الآخرين ، وهي حقيقة ولكنها ليست إيجابية في جميع الأحوال ، فكم من خبر كاذب أضر بالناس ، وكم من إشاعة قتلت صاحبها ، وكم من كذبة سببت خراباً في البيوت والقلوب .

الحقيقة نصفان ، نصف كذب محض مستبعد ، والنصف الآخر نصفان ، أحدهما رؤية الحق بياناً دون لبس ولا شك ، والآخر لابد من إخضاعه للفحص والتمحيص ، وهناك ما يحتاج الدليل ، وبعضٌ يحتاج الشهود ، وآخر يحتاج القسم اليمين .

إن الواقع يفرض عدم التسرع في نشر الأخبار مهما كان الغرض منها ، ومهما كانت النية حسنة ، حتى يتم التحقق من مصداقيتها ، وخاصة تلك المتعلقة بزيد من الناس أو عمر منهم ، فلربما يعتبر غيبة في حق أحد أو نميمة أو زيف ، أو كذب وافتراء . وحتى إن كانت الأخبار صادقة ، فليس كل خبر يجوز نشره بين الناس ، وليس كل قول مسموح بنقله ، خاصة إذا كان ضرره واضح وجلي ، ويسير مسار المنهي عنه عرفاً ودينا .

يضاف لذلك أيضاً تحوير بعض المنقول ليتحول إلى كلام غير معقول ومعانٍ تصاغ بطريقة تختلف عما قيل أو قُرأ ، أو أريد منه ابتداءً ، بغرض التشويق مثلاً أو الإثارة أو الإساءة المحضة لمن قال أو كتب ، وهذا في حقيقته افتراء واضح أكيد .

التسابق في نشر الأخبار بغض النظر عن مصداقيتها ، وتحوير المنقولات والمنشورات أو المقالات المكتوبة ، وتوجيهها إلى غير مسار مجافياً الحقيقة الأصيلة التي تضمنتها مِنْ ناشرها أو كاتبها ، يتحمله من وجهها إلى غير معنى ، وما فهمه الآخر يتحمله هو أيضاً وليس من قال أو كتب ابتداءً ، ونشر الشائعات كذلك ، فلهذا علينا أولاً وأخيراً وما بينهما توخي الحذر في النقل ، وعلينا أولاً وأخيراً وما بينهما أيضاً إبعاد العواطف والإختلافات وما يصاحب ذلك من مسببات ربما تكون هي الموجِّـه لغربلة المعاني وصياغتها بطريقة ربما تنشر الوقيعة بين أكثر من جهة ، والسبب العفوية أو التعمد في النقل الخاطىء.

فلا نستغرب إن رأينا فلاناً من الناس قد تغير ، واتخذ الجفاء نهجاً جديداً في علاقته بغيره ، وبدون مقدمات ، لأن ذلك لن يكون سببه بعيداً عما سمع أو قرأ أو نقل له شفاهية بأمرٍ أساء له ، أو أن يتفاجىء بأحدهم قد تغيرت أحواله سلباً أيضا ، ولن يعدو ذلك نفس السبب .

لنقصد الحقيقة من منابعها ، ولنأخذ منها ما ينفع الناس ، وغير ذلك نتركه حتى يطويه النسيان.

 

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×