[وثائق] قبائل سُنّية حمت أملاك شيعة القطيف من اضطهاد الأتراك اشتروا بساتينهم صوريّاً.. حتى لا يصادرها العثمانيون.. ثم أعادوها إلى أصحابها بعد انجلاء الغُمّة

كتب: محرر صُبرة

ليس من قبيل المجاملة، ولا المداهنة الملوثة بالطائفية أو المذهبية، بل من قبيل إحقاق الحق، ووضع المجهر على حقائق تجاهلها المهووسون بالطائفية والمذهبية في هذا الجزء من الوطن.

الوثائق التي يضعها الشاعر والباحث الأستاذ عدنان العوامي؛ واحدة من إشارات الخير التي كانت تربط شيعة القطيف بمحيطهم الجغرافي السني على امتداد قرون. صحيحٌ إن فتناً وقعت، وحروباً حدثت، لكن وضعها في سياقها يُشير إلى أن الألفة والمحبة والمناصرة هي الرابط الأقوى.

ليس هذا فحسب؛ بل وصل الأمر إلى مخاطرات كبيرة أقدمت عليها بعض القبائل في المنطقة لحماية جيرانهم الشيعة في القطيف من جور الحكام العثمانيين. وحين وصل الاضطهاد العثماني للشيعة ذروته بمصادرة أملاكهم؛ تدخّل بعض رجالات القبائل السنية واتفقوا مع الشيعة على نقل أملاكهم إليهم ـ صورياً ـ حتى لا يصادرها الولاة العثمانيون، وبعد انجلاء الغُمّة؛ أعادوا الأملاك إلى أصحابها، بل وقبل ذلك وثقوا إقرارات بشهادات شهود على ذلك.

هذه التفاصيل؛ نتركها في تقرير الأستاذ العوامي ووثائقه التي تضعنا أمام مسؤولية الفهم النظيف لعلاقة الشيعة والسنة في هذا الجزء من الوطن، على مدى قرون، وأن الصفحات النقية ربما شابتها سطور غير مريحة، لكنها بالكاد تؤثر في حقيقة التاريخ المشرف.

الوثائق تتحدث.. لا الطائفيون

عدنان السيد محمد العوامي

عرضنا في ما سلف صورة الحكم العثماني، وتعرَّفنا إلى نمط تفكير وُلاته، وسيرتهم، وطريقة إدارتهم الحكم، وتصرفهم مع محكوميهم، فعلمنا أنهم باللصوص وقطاع الطرق أشبه من الولاة والحكام، فكيف قابل الأهالي هذا السلوك؟

تجيب عن ذلك المدوَّنات والوثائق العثمانية من مراسلات متبادلة بين الولاة والمركز؛ بشأن ثورةٍ هنا، وأخرى هناك، أو تمرُّد والٍ واستقلال آخر بولايته هنالك([1]).  

وأما عن مسلك الأهالي وعلاقتهم ببعضهم البعض فالمؤرخون ـ حسب اطلاعي المتواضع ـ لم يذكروا شيئًا من هذا، لكن الوثائق المحلية أوضحت لنا أجلى صورة لا لبس فيها، فإليك شيئًا مما تحدثت به بالنصّ والصورة:

الوثيقة الأولى

إقرار من عبد الرحمن العفالق بعدم أحقيَّته في أملاك آل أبي السعود التي بيده.

نص الإقرار: (أقول وأنا الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن محمد بن عفالق، بأنَّ المبيعات النخيل المنتقلات من أبا السعود إليّ، وهو النخل المسمَّى بالبدارني، والنخل المسمَّى بشطيب الحلاَّ([2])، والنخل المسمَّى بالعمارة، مع النخل المسمَّى بالفليتي، والنخل المسمَّى بالغرسات، والنخل المسمَّى بالكليبي، كلَّ هذي النخيل المذكورات ليس لي فيهم حقٌّ، ولا مستحق، ولا دعوى، ولا طلب، بوجه من الوجوه، وليس لي عليهم إجارة، ولا صُبْرة ([3])، ولا رَهْن ولا إباحة، ولا لي من ثمانية آلاف قليل ولا كثير، وإنَّما هذا مواطاة على صورةٍ قصدْنا بها نفعَ أبا السعود عن يدٍ غاشمة تُخرج نخيل أبا السعود عن يده، وإلا فما لي من هذي النخيل حقٌّ ولا مستحق، ولا دعوى، ولا طلب، بوجه من الوجوه، وهذا خطِّي شاهدٌ عليّ، وكفى بالله شهيدًا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الشهود

  • حضر لذلك محمد بن حسين بن عفالق.
  • حضر لذلك عبدالله بن محمد بن عفالق.
  • حضر لذلك وأنا علي بن عبدالله آل عمران.

الوثيقة الثانية

نص ما في أعلا الورقة: (قد ثبت لدي أنهم أسلموا، وما في الورقة تحت أيديهم… عليهم . . في طريق قاله عبد الله بن سليمان

نص الوثيقة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الحمد لله، أحمَده وأستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مُضِلَّ لَه، ومن يُضْلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسولهُ. قد أفلح مَن دِينُه الإسلام، واقتفى أثرَ رسولهِ وصحبه الكرام، في تحليل الحلال، وتحريم الحرام، أما بعد: فمَن كانت عنده شهادة قاطعة جازمة بأنّ النُّخيلات التي اغتُصِبت من آل أبي السعود، فصارت تحت يد خالد آل خالد على جهة الغصبية، لما حكَم عبد المحسن القطيف رجَّعها على آل أبي السعود، وقبَّضهم إيَّاها، وصرَّفهم فيها، فصارت في أيديهم فأسلموا عليها، وهي في أيديهم، وفي تصرُّفهم، وتحت قبضتهم، ولما منّ الله عليهم بالاجتماع بأمير المسلمين سعود آل عبد العزيز، الله يسلمه، وعاهدوه على دين الله ورسوله أقرَّهم على النخيلات المذكورة، وأعطاهم بها ورقة، منعٍ ممهورة بمهره الله يحفظه. فمن كانت عنده شهادة بذلك فليكتب شهادتَه ذيلَ هذه الورقة، امتثالًا لقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} الطلاق: 2، {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}النساء: 135، وقوله سبحانه {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ}البقرة: 283، وقوله عزَّ من قايل: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}البقرة: 282، وقول بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: «من كتم شهادة عنده ألجمَه الله تعالى يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ»،  والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم.

الشهود

  • كتب الأقل علي بن محمد المويلغي عفا الله عنهم بمنِّه.
  • ممن يشهد بذلك كله الأقل أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الجبار.
  • بسم الله يشهد به الأقل محمد بن أحمد آل الزاير.
  • بسم الله الرحمن الرحيم يشهد به علي بن مدن.
  • بسم الله الرحمن الرحيم يشهد بما في هذه الورقة حسين بن علي بن راشد آل سنان.
  • بسم الله الرحمن الرحيم يشهد بذلك الحاج علي صالح آل سنان، وكتب عنه بأمره لعذره.
  • بسم الله الرحمن الرحيم يشهد بذلك كاظم بن أحمد الشماسي.
  • بسم الله، ممن يشهد بما في هذه الحجة امتثالا لقوله تعالى محمد الشهابي.
  • كل ما رصد في هذه الورقة من أوثقة عبد المحسن على نمط المزبور،
  • ثم إثبات سعود الله يسلمه
  • وإقرارا بما رقم على الوجه المرعي من المومى إليه أبو السعود كتبه شاهدًا به أحمد بن غانم.
  • بسم الله يشهد به حسبما رقم الفقير لله العلي أحمد بن محمد بن علي بن شمس عُفي عنه بمنِّه. آمين. بسم الله حسبما رقم.
  • يشهد به عبد الحي ابن الشيخ عبد اللطيف آل ناصر).

 

الوثيقة الثالثة

إقرار فهيد آل حميد بأيلولة النخيل التي تحت يده لآل أبي السعود.

نص الإقرار: (الحمد لله ربِّ العالمين، والصلوة والسلام على محمد وآله وصحبه المكرمين. أما بعد، فقد أقرَّ واعترف فهد([4]) بن برغش آل خالد العميري، الإقرار القاطع الجازم، الناقل للملك، ولمادة النزاع حاسم؛ بأن ليس له، ولا لأحد من آل خالد في النخل المسمى بـ(بابِ أَجْوَد) بساحة الدبابية([5])، ولا في المحمودي الواقع بساحة الملَّاحة، ولا في المزرع وتابعه الحواتم بساحة الشريقي([6])، الكلُّ من أعمال القطيف، المحروسة من الأراجيف، حقٌّ ولا مستحق، ولا دعوى ولا طلب، بوجهٍ من الوجوه، ولا سببٍ من الأسباب، وإنما النخيل المذكورة مالٌ وملك، وحقٌّ طلقٌ إلى آل أبي السعود، سابِقًا ولاحِقًا، يتوارثونه خلَفًا عن سَلَف، ولدًا عن والد، اعترافًا صحيحًا شرعيًّا، معتبرًا مرعيًّا، أقرَّ فهيد([7]) أنه صادقٌ فيه، وأنَّ ظاهرَ الأمر، في ذلك، كخافِيه، وأنه في ذلك أصدقُ صادق، وأبرُّ محقٍّ ناطق، وأنه ليس على سبيل المحاباة، ولا المواطاة، جاريًا من فهيد، في حالتي الصحة والكمال، بالطوع والاختيار، من غير إكراه ولا إجبار، وإنما ذلك على سبيل الإمضاء من آل حميد إلينا، فرجع الشيء إلى أهلِه قبل الإسلام، وهو مالهم أصالة، فأسلموا عليه، والنخيل المذكورة في أيديهم، لا معارضَ لهم ولا مُصادِع، ولا مدَّعي، ولا منازع، ثم أقرَّهم الأمير سعود([8])، على ذلك، هذا كله إقرار فهيد آل برغش، واعترافه بطوعه واختياره، فإن ادَّعى هو أو أحدٌ من ورثته في ذلك، كلاًّ أو بعضًا فدعواه باطلةٌ عاطلة، لا يُلتفت إليها، ولا يُعرَّج في سماع الدعوى عليها، وجرى ما رُقِم على الوجه الصحيح، الصريح، الشرعي، باليوم الخامس عشر من شهر شوال سنة 1218، الثامنة عشرة بعد المايتين والألف من هجرة خير البرِيَّة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

الشهود

  • بسم الله الرحمن الرحيم، يشهد به علي بن محمد المرعفي(؟) عفي عنهم بمنه.
  • بسم الله الرحمن الرحيم، باعتراف فهيد بما هو مسطور
  • يشهد علي بن مدن بن خزام.
  • بسم الله الرحمن الرحيم، بالاعتراف المذكور حسبما هو مسطور يشهد به بمشهديه الأقَل الجاني أحمد بن محمد بن علي بن شمس، عُفيَ عنه بمنِّه، آمين.

قراءة في الوثائق

وثيقتان من الوثائق الثلاث غير مؤرَّختين، لكن أسماء المذكورين فيها والموقعين بها معروفون، ومنهم آل حميد، وهم فرع من قبيلة بني خالد كانت تحكم القطيف (1077- 1206، أو 1208هـ.

أما الأمير سعود المذكور فهو سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، قاد جيش والده في حملته على القطيف، فانتزعها منهم لوالده([9])

عبد الله بن سليمان: هو عبد الله بن سليمان الخالدي، من فرع المهاشير، كان هو وأحمد بن غانم يتولَّيَان حكم القطيف حين استولى عليها عبد العزيز بن محمد بن سعود، بقيادة ولده سعود([10])،

وأحمد بن غانم كان يتولَّى حكم القطيف من قبل بني خالد، ثم ولَّاه عبد العزيز بن محمد آل سعود الحكم بعد أخذه القطيف من بني خالد([11])، ثم خلفه ولده عبد الله، فقتل في واقعة مشهورة([12]).

عبد المحسن بن سرداح. هو زعيم آل عبيد الله من آل حميد من بني خالد، كان الحاكم الفعلي في فترة حكم ابن أخته دويحس. فرَّ إلى المنتفق بالعراق سنة 1206هـ، أو 1208هـ مع ابن أخته دويحس، منهزمَين أمام سعود بن عبد العزيز آل سعود([13])،

وقد مر بنا أن بني خالد هم من طرد العثمانيين من المنطقة، وأن العثمانيين دأبوا على اغتصاب ممتلكات الأهالي، فهذه الوثائق واضحة الدلالة على جور العثمانيين خصوصًا ضد الشيعة، وأن أخوتهم السنة كانوا يحفظون ممتلكاتهم بوضع أيديهم عليها بصفتهم سنة سدًّا لذريعة الولاة العثمانيين، ويحتفظون بها ريثما تجيء الفرصة لإعادتها إليهم.

———–

([1])انظر: بنو خالد وعلاقتهم بنجد، عب الكريم عبد الله المنيف الوهبي، دار ثقيف للنشر والتأليف، الرياص، الطبعة الأولى، 1410هـ، 1989م.

(([2]في الأصل:  الحلا، وأرجِّح أنها(الحلاَّو)، وهو جنس من النخيل مشهورٌ في القطيف، ثمره أحمر أو  زهري، وغير بعيد أن البستان سمي به؛ فهذه التسميات معروفة في القطيف مثل:  أم الخنيزي، وباب الخلاص، وهما جنسان من النخيل.

(([3] الصُّبَرة، بضمِّ الأول وتسكين الثاني، والجمع صُبٌرَ، لُغةً: ما جمع من الطعام بلا كيل، ولا وزن. محيط المحيط، وهنا: مقدار حصة المالك من ثمرة النخيل للعام المتَّفق عليه بين المالك والفلاح.

( ([4]سيرد في الوثيقة لاحقًا باسم فهيد.

( ([5]الدبابية، بلدة من بلدات ضواحي القطيف، تسمى الآن الدبيبية..

(يقع إلى الجنوب من الملاَّحة بينها وبين الحِنَّاة. انظر خارطة واحات القطيف ([6].

( ([7]ورد في مستهلِّ الوثيقة باسم فهد.

( ([8]سعود :هو ابن عبد العزيز بن محمد بن سعود، قاد جيش أبيه واحتل القطيف سنة 1206هـ، انظر: عنوان المجد في تاريخ نجد، عثمان بن عبد الله بن بشر النجدي، الحنبلي، حققه وعلق عليه عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز، الرياض، الطبعة الأولى، 1402هـ 1982م، الحلقة 27، جـ1/178.

( ([9]بنو خالد وعلاقتهم بنجد، عبد الكريم بن عبد الله المنيف الوهبي،  ص: 89، 135 – 136، 178.

(([10]لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب، تأليف حسن بن جمال بن أحمد الريكين درسه وحققه وعلق عليه أ. د. عبد الله الصالح العثيمين، إصدارات دارة الملك عبد العزيز، الرياضى (ح 177)، 1426هـ، 2005م، ص: 132، وعنوان المجد في تاريخ نجد، الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر النجدي، الحنبلي، حققه وعلق عليه عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز، الرياض، الطبعة الرابعة، 1402هـ، 1982م، جـ1/278، و362.

(([11] لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب، تأليف حسن بن جمال بن أحمد الريكين درسه وحققه وعلق عليه أ. د. عبد الله الصالح العثيمين، إصدارات دارة الملك عبد العزيز، الرياض (حلقة 177)، 1426هـ، 2005م، ص: 132.

(([12] انظر: رواية شيخة( رواية غرامية تاريخية على ضفاف الخليج) علي بن حسن أبو السعود، مراجعة عدنان السيد محمد العوامي، تظهير عبد الله عبد المحسن، إصدار نادي المنطقة الشرقية الأدبي، مطابع الشركة الشرقية، الدمام، الطبعة الأولى، 1435هـ 2014م، المقدمة.

( ([13]ساحل الذهب الأسود، محمد سعيد المسلم، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1962م، ص: 178، وبنو خالد وعلاقتهم بنجد، عبد الكريم بن عبد الله المنيف الوهبي، دار ثقيف للنشر والتأليف، الرياض، الطبعة الأولى، 1410هـ، 1989م.

 

 

‫2 تعليقات

  1. الاخ خالد العقل ، هل ممكن الإطلاع على وثيقة باب أجود من باب الاستطلاع على الوثائق القديمة ،
    تحياتي
    ٠٥٥٤٨٢١٩٩٣

  2. خذا فهيد بن برغش الخالد العميري ليس من ال حميد و انما من ال خالد من امراء العماير و المعروفين الان بالعقل من العماير
    العجيب ان باب اجود يوجد لدينا اوراق وقفيه عليه و مازال موجوده

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×