ابن العوّامية يحضّر منتخباً وطنياً من ذوي الشلل الرباعي لأولومبياد طوكيو من كرسيه المتحرك صنع 200 إنجاز، واحتكر الفوز في 4 رياضات سعودية

حطّم رقم الغوص القياسي في أستراليا عام 2013 بعمق 50 متراً

كتب: حبيب محمود
قد تخوننا اللغة؛ فنقول إن “معاقاً” بشلل نصفي نجح في تحضير منتخبٍ وطني من ذوي الشلل الرباعي ليخوض به منافسات دولية، في رياضة “البوتشي”، ويطمح إلى الوصول بفريقه إلى أولومبياد طوكيو 2020.
لكن هذه هي الحقيقة دون استعمال محسّن لمصطلح “ذوي الاحتياجات الخاصة” أو “ذوي الهمم”. ومساء البارحة؛ كان محسن آل إسماعيل برفقة فريقه الذي أمضى أكثر من عام مدرّباً له، ليعرض مهارات لاعبيه وهم على كراسيهم المتحركة، في لعب ودي على هامش “ماراثون الألوان” القائم، حالياً، في الواجهة البحرية لمحافظة القطيف.

لا جديد في المستحيل
المستحيل ليس جديداً على محسن آل إسماعيل؛ فمنذ أن أقعده شلل الأطفال في سن السادسة، وهو يطوّع رياضاتٍ صعبة لإرادة جسده الذي يكاد لا يغادر الكرسي المتحرك. ومن نتائج هذه الإرادة؛ أن أصبح متعدد البطولات في رياضة ألعاب القوى والسباحة والغوص وكرة السلة، وبات عضواً مؤثراً في المنتخبات السعودية ضمن فئته. وأخيراً اتجه نحو رياضة “البوتشي”.
ومن نتائج إرادته، أيضاً، احتكاره لبطولات المملكة في سباقات 800 متر و 1500 متر و 5000 متر لـ 12 سنة بلا انقطاع. وتحطيمه للرقم القياسي في الغوص (23 متراً) ليصل إلى عمق 50 متراً في بطولة أستراليا المفتوحة عام 2013، وتفوقه في رياضة السباحة واحتكار المركز الأول في بطولاتها الوطنية لذوي الاحتياجات الخاصة، منذ 2011 حتى 2017.
كلّ ذلك؛ جزءٌ من قرابة 200 إنجاز محلي ووطني وخليجي ودولي، راكمها تباعاً، دون توقّف.

تنوع خارق
تنوّعه الخارق، واستعداداته الجسدية والنفسية؛ رشّحته ليكون من مدربي المنتخب السعودي لرياضة “البوتشي”. وحسب كلامه؛ فإن كلّ ما سبق من بطولات وألقاب ليست إنجازاً، إلا إذا صنع من فريقه الجديد أبطالاً. رياضة البوتشي لشديدي الإعاقة، وتحديداً ذوي الشلل الرباعي. هذا ما يعني أنه يواجه المستحيل بشحمه ولحمه..؟

بدأت من عتاب
وسألناه: لم اخترت التدريب في هذه الرياضة الصعبة جداً لهذه الفئة..؟
فقال “جاءني عتاب من أحد ذوي الإعاقة الشديدة؛ إذ لم يجد أي نوع من الرياضات يمكن أن ينخرط فيها”. يُضيف “أثر العتاب في داخلي، فبحثت في الإنترنت؛ فوجدت أن هناك رياضة معتمدة دولياً، اسمها “البوتشي”، فسافرتُ على حسابي الخاص إلى مملكة تايلند، والتحقتُ بدورات، وحصلتُ على الشهادة”. ويوضّح “منتخب تايلند هو بطل العالم في هذه الرياضة، لذلك ذهبت لأتدرب عند أقوى فريق في العالم”.
يُضيف آل إسماعيل “قبل أقل من سنة شاركت بفريقي في بطولة “فزاع” الدولية، وبعدها سوف نشارك في بطولة غرب آسيا في المملكة الأردنية، ونأمل أن نحقق نتائج طيبة لنتأهل بعدها إلى أولومبياد طوكيو” 2020. وحتى الآن ـ والكلام لآل إسماعيل “هناك 9 لاعبين سعوديين قادرين على ممارسة اللعبة”.

لا أحد يدعمنا
آل إسماعيل يقول إنه ترك وظيفة له في جمعية خيرية ليتفرّغ لتدريب المنتخب بشكل كامل. ويؤكد أنه لم يحصل على أي دعم “نهائياً”. يضيف “لا توجد أية جهة دعمتني في رياضة البوتشي”. لكنه يستدرك “في بطولة فزاع الدولية حصل الفريق على دعم وحيد من الشيخ فيصل عبدالله فؤاد”. أما الآن؛ فلا وجود لأي دعم لأية بطولة أو منافسة مقبلة.

 

من ذوي… الإنجازات الصعبة…!

في الـ 21 من شهر ديسمبر 2013؛ نشرت صحيفة “الشرق” على صدر صفحتها الأولى العنوان التالي “ابن العوامية يمثل وطنه في أستراليا”. كان ابن العوامية المقصود في العنوان هو محسن آل إسماعيل، بطلٌ سعوديٌّ من نوع خاص، بل هو مجموعة أبطال ولدتهم العوامية وأعطتهم للوطن. وحين مثّل وطنه، عاد بشرفي التمثيل والبطولة معاً، وبرقم قياسيّ، بعد غوصه إلى عمق 50 متراً..!
هذا الرقم العالمي؛ لم يحقّقه الشاب المصنّف ضمن “ذوي الاحتياجات الخاصة” صدفةً أو اعتباطاً، إنه نتاج بطولات محلية ووطنية متسلسلة، فقد سبق له أن حقق بطولة المملكة لسباقات 800 و1500متر، وبطولة الـ 5 كم للسنة الـ 12 على التوالي، كما حصل على شهادة ورخصة الغوص «ناوي». ولم يمنعه كرسيه المتحرك من أن يكون بطلاً.. بطلاً خارقاً للعادة.
بعد عودته من استراليا بأيام؛ فاز محسن آل إسماعيل، بميداليتين ذهبيتين في بطولة المملكة للسباحة، ممثلاً لجمعية سواعد للإعاقة الحركية في المنطقة الشرقية. كان ذلك حدثاً نوعياً، لكنه ليس جديداً على بطل متعدد المهارات والمواهب، وفي رصيده أكثر 200 إنجاز في منافسات الغوص والسباحة وألعاب القوى وكرة السلة، على امتداد 17 عاماً.
كان يمكن لآل إسماعيل أن يركن إلى وضعه الحركي المُعاق. نشأ كما ينشأ ذوو الاحتياجات الخاصة، إلا أنه أصرّ على أن ينتمي إلى ذوي الإنجازات الصعبة.. أولئك الذين يصنعون أنفسهم بأنفسهم، بجهودهم الذاتية.. راح يتدرب في الشوارع، دون الاستعانة بمدرب، يُعدّ جسده وعضلاته للمشاركة في البطولات على حسابه الخاص.. كل ما في الأمر أنه أحب الرياضة، وأحب الإنجاز، وأحب النجاح.. ومهما كانت الظروف؛ بقي الطموح عالياً، والرغبة مستمرة.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×